الآثار الإسلامية في مصر.. ماذا تبقى بعد الهدم والسرقات؟

الآثار الإسلامية في مصر.. ماذا تبقى بعد الهدم والسرقات؟
وزارة الآثار تنفي مسئوليتها عن هدم الوكالة، باعتبار المبنى غير مسجل كأثر، محملة جهاز التنسيق الحضاري المسئولية - مصر في يوم

صدمات متكررة يتعرض لها المواطنون والمهتمون بملف الآثار الإسلامية في مصر، التي أصبحت عرضة لأشكال متنوعة من التفريط والإهمال، بل الهدم والإزالة، كما حدث مؤخرا مع وكالة العنبريين في شارع المعز بقلب القاهرة الفاطمية، بدعوى أنها ليست مسجلة في ملفات الآثار.

ورغم الغضب والصدمة، فإن المتابعين والمتخصصين يؤكدون أن وكالة العنبريين ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، فعدم تسجيل الآثار الإسلامية ينذر بوقوع المزيد من حالات التدمير للتراث، في ظل ردود من وزارة الآثار بعد كل إزالة، بأن ما جرى هدمه ليس أثريا، ولم يسبق تسجيله من قبل في تعداد الآثار المصرية.

وكالة العنبريين

في أوائل فبراير الجاري، فوجئ المواطنون والأثريون بحملة إزالة لهدم العقار رقم 88 التاريخي، والمعروف باسم “وكالة العنبريين”، الذي يقع بمنطقة شارع المعز لدين الله الفاطمي التاريخية، التي شهدت عمليات تطوير مستمرة بتمويل من منظمة اليونسكو، باعتبارها أكبر متحف مفتوح في العالم للآثار الإسلامية.

نفت وزارة الآثار مسئوليتها عن الهدم، باعتبار المبنى غير مسجل كأثر، محملة جهاز التنسيق الحضاري بوزارة الثقافة المسئولية، في حين أعلنت محافظة القاهرة أنها أقامت دعاوى قضائية سابقة على مالك العقار، وأنه قد صدر قرار بهدمه من المحافظة، بسبب خطورته الداهمة، خاصة في ظل تعرضه للاحتراق مرتين في عامي 2005 و2017.

بينما تردد بين أصحاب المحال بشارع المعز، أن أحد رجال الأعمال المشهورين، اشترى الأرض المبني عليها الوكالة، واتفق مع الحكومة على هدم العقار، وأن ذلك مقدمة لهدم عقارات أخرى بالمنطقة، لأن المخطط هدم المربع بأكمله، على حد تعبيرهم في أحاديث صحفية وتلفزيونية.

تاريخ الوكالة

يعود عمر “وكالة العنبريين” لنحو تسعمائة عام، إذ بناه الفاطميون، ليكون سجنا تحت اسم “حبس المعونة”، وفي عهد المماليك تحول السجن إلى وكالة لتجارة العنبر على يد السلطان قلاوون عام 1281.

ومنذ هذا الوقت وهو مكان مخصص لبيع العطور، إذ أطلق عليه المصريون اسم “وكالة العنبريين”، وازدهرت التجارة فيه خلال عهد العثمانيين.

العقار يقع على مساحة 1250 مترا، أمام مدرسة الأشرف درسباي، وجرى تشكيل لجنة من قِبل وزارة الآثار لتسجيله كأثر، التي أفادت بعدم صلاحية تسجيله في عداد الآثار الإسلامية والقبطية، بسبب تعرضه للحريق مرتين، ما أدى لتدميره من الداخل، ولم يتبقَّ منه سوى الواجهة الخارجية فقط.

في حين يرى آخرون أنه كان يمكن التدخل وإنقاذ المبنى باعتباره أحد أهم معالم الشارع، وكان يمكن إعادة ترميمه، واستخدامه حتى لو لم يُجر تسجيله كأثر، ويُجرى الحفاظ عليه من تدخل أي جهات أخرى، التي لا تهتم بالتاريخ أو الحضارة.

حالات متكررة

هدم وكالة العنبريين بدعوى عدم أثرية العقار ليست الحالة الأولى، ففي أواخر عام 2017، جرى هدم جامع النجار بسوق الخواجات بمدينة المنصورة، وعلق وقتها المسئولون بوزارة الآثار، أن المسجد غير مسجل في عِداد الآثار الإسلامية أو القبطية، ولا علاقة لوزارة الآثار بقرار هدمه من عدمه.

بينما قال محمد طمان، مدير عام آثار الدقهلية: “إن المسجد كان بحالة إنشائية سيئة للغاية، وفقد شكله الأساسي، بسبب أعمال الترميم، التي كان يقوم بها الأهالي في فترات زمنية سابقة”.

ويبلغ عدد المباني التراثية في مصر وفقا للإحصائيات الرسمية، من جهاز التنسيق الحضاري، نحو 6500 مبنى في العديد من محافظات مصر، ويوجد في محافظة القاهرة 1163 مبنى تراثيا، تتركز أغلبها في حي غرب ووسط القاهرة.

وبحسب تصريحات سابقة لسمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، فإن مصر فقدت 75% من مبانيها التراثية والتاريخية، أهمها هدم بیت المهندس التاریخي، بشارع سوق السلاح، في ديسمبر 2014، وفي يناير 2018 جرى هدم جزئي لفندق الكونتنينتال أحد المباني الخديوية بوسط القاهرة، الذي شهد توافد ملوك وملكات أوروبا خلال افتتاح قناة السويس عام 1866.

إهمال وسرقات

المخاطر التي تحيط بالآثار الإسلامية متعددة، ولا تتوقف على الهدم والإزالة، ولكن تنوعت ما بين سرقات وإهمال تتعرض لها المساجد الأثرية، إذ كشفت الصحف في أكتوبر الماضي عن تحول أحد المساجد الأثرية في محافظة أسوان، إلى حظيرة مواشي، وذلك إثر تواجد عدد كبير من المواشي، التي تُرعى داخل الحديقة الخضراء لمسجد بدر الطابية الأثري، بمدينة أسوان.

كما أعلنت وزارة الآثار في الشهر نفسه، عن سرقة “حشوات” من باب جامع خونده أصلباي الأثري بالفيوم، في حين اعتمدت اللجنة الدائمة بوزارة الآثار، في الرابع من أبريل الماضي، جدولا زمنيا مقترحا من قطاع الآثار الإسلامية والقبطية، لتوثيق وتسجيل المقتنيات الأثرية في المساجد، ونقل مجموعة منها، حفاظا عليها من السرقة، بعد حوادث سرقات متكررة، وهو القرار الذي أثار موجة من الرفض حينها خوفا من تفكيكها، ونقلها خارج مصر.

ونشرت صحيفة الأهرام صورا لتفكيك منبر مسجد أبو بكر مزهر، الذي يعود للعصر المملوكي، وقالت: إنه “جرى تفكيك ونقل 55 منبرا من مساجد أثرية أخرى”.

سوء الترميم

في حين تحولت عدة مناطق ومساجد أثرية إلى مقالب قمامة، وأوكار لتعاطي المخدرات، نتيجة غياب التأمين والحراسة لها، كما حدث مع مسجد أحمد بن طولون.

خطر آخر من نوع مختلف تتعرض له الآثار الإسلامية، ويتمثل في سوء الترميم، إذ تعرضت وكالة قايتباي الأثرية، للتشويه والتدمير بسبب أعمال الترميم التي تُجرى بها بشكل غير مهني، وذلك باستبدال الأحجار الأثرية بأخرى جديدة، لا يتعدى عمرها الافتراضي عشر سنوات.

عبد الرحيم التهامي

شاهد المزيد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.