الثأر في الصعيد.. عادة مدمرة وداء يبحث عن علاج

الثأر في الصعيد
الثأر في الصعيد يحصد أرواح المئات كل عام - مصر في يوم

تُعد ظاهرة الثأر أحد العادات الاجتماعية السلبية الخطيرة على المجتمع المصري التي تتركز في الصعيد، وتزداد كلما ازدادت مظاهر العصبية القَبَليّة.

وهي من بقايا عادات الجاهلية التي كانت منتشرة بين الناس قبل الإسلام، وجاءت تعاليم الإسلام لتجرمها وتشرِّع القَصاص.

وتحصد هذه الظاهرة أرواحا تصل إلى المئات كل عام، إذ تطالعنا الصحف بشكل شبه يومي بجرائم قتل للثأر، في بعض شرائح المجتمع رغم الجهود الأمنية التي تبذل للقضاء عليها.

وشهدت محافظة أسيوط أمس الجمعة 8 فبراير الماضي، آخر جرائم القتل، بغرض الثأر، إذ قُتل شخصان وأُصيب آخران، عقب صلاة الجمعة في مدينة القوصية، بسبب تجدد خصومة ثأرية.

وتلقت الأجهزة الأمنية ما يفيد بتجدد خصومة ثأرية بين عائلتي “حفيظ ” و”بلحة” أدت إلى قيام أفراد من عائلة “حفيظ” ببندر القوصية بإطلاق أعيرة نارية على أفراد من عائلة “بلحة” عقب دخولهم مسجد الرحمن بالقوصية.

أبرز قضايا الثأر

ورغم أن هناك كثيرا من الأسباب الشائعة التي تتخذها القبائل والعائلات ذريعة للقتل، مثل: القتل من أجل العِرض والنزاع على الأرض وغيرها، فإنه كثير ما يُجرى القتل لأسباب بسيطة جدا، كنزاع بين أطفال أو خلاف على أسبقية الري أو غيره.

ولعل من أغرب قضايا الثأر، قضية بين عائلتي “رابح” و”الزيدي” في قرية الزيدية شمال محافظة الجيزة، التي تجددت يوم الجمعة قبل الماضي.

وتعود القضية إلى سنوات مضت، إذ وقعت جريمة قتل، راح ضحيتها طبيب، بسبب خلاف بسيط على لعب مباراة لكرة القدم، التي اشتعل معها العداء بين عائلتي “رابح” و”الزيدي”.

وبدأت رحلة الأخذ بالثأر التي سقط خلالها عدد من القتلى والمصابين، وينتظر آخرون أحكاما بالإعدام، وآخرها قتل شخص يدعى “ممدوح رابح” الجمعة قبل الماضية، بعد أن استهدفه ثلاثة مسلحين أثناء استقلاله أتوبيس، وأطلقوا النار عليه.

كما قتلوا شخصا آخر كان في الأتوبيس، لمحاولته منعهم من قتل المجني عليه الأول، وفرّ المتهمون هاربين بواسطة دراجة بخارية، وما زال الثأر مشتعلا حتى الآن.

  • الثأر من طفل

وفي الرابع من مايو 2018، شهدت محافظة سوهاج جريمة قتل، إذ أقدم فريق من عائلة “العوضية” بناحية الضبعية في قرية “البلابيش المستجدة” بمركز دار السلام بسوهاج، على الانتقام من خصومهم في عائلة “البوم”.

وكانوا اشتبكوا معهم منذ ثلاثة سنوات، ونتج عن ذلك مقتل رجل وإصابة آخر منهم، فقتلوا رجلا من خصومهم في الستين من عمره، يدعى “علي” وحفيده “يوسف” خمس سنوات، إذ كان يسير ممسكا بيد جده، لتتجدد الخصومة.

المرأة والثأر

ولم تغب المرأة الصعيدية عن مشهد الأخذ بالثأر، إذ تلعب دور الحارس على التقاليد، وعلى رأسها الثأر، فهي تدفع الرجل للأخذ بالثأر دفعا، ولا تقف عند ذلك، بل إنها في بعض الأحيان تحمل السلاح، وهو ما حدث بالفعل في إحدى قرى محافظة سوهاج.

سيدة تُدعى “نهال – م” أقسمت على الثأر لإخوتها الذين قُتِلوا غدرا، وحلقت شعرها، وارتدت ملابس الرجال، وحملت مدفعا رشاشا، وحصدت 12 شخصا من خصومها.

إحصائيات

وأكد مصدر أمني بمديرية أمن سوهاج، تصدر محافظات سوهاج وأسيوط وقنا والمنيا وبني سويف، قائمة محافظات الوجه القبلي التي ما زالت تتمسك بعادة الثأر.

فيما أفادت الإحصائية الصادرة من مديرية أمن قنا لعام 2014 تصدر قنا في عدد قضايا الثأر أن عدد الخصومات الثأرية المستمرة منذ أعوام وحتى 2014 بلغت 92 خصومة.

وبحسب الإحصائية، تأتي محافظة أسيوط في صدارة جرائم الثأر برصيد 158 خصومة، ويتركز عدد كبير منها في قرية المعابدة، التي شهدت أشهر المواجهات الثأرية في صراع عائلتي “الطحاوية” و”الفقيرة” عام 2003، إذ أجبر أفرادهما قطار الصعيد – القاهرة على التوقف، لإطلاق سراح معتقليهم بعد إحدى جرائم الثأر.

وتشير إحصائيات الأجهزة الأمنية بمديرية أمن أسيوط إلى أن عائلة “العسيرات بأبنوب” سجلت رقما قياسيا في عدد ضحايا الصراعات الثأرية، ليصل إلى 200 قتيل منذ بداية الخصومة عام 1950.

أسباب انتشار الثأر

وعن أسباب الظاهرة الخطيرة، يقول جمال فرويز، استشاري الطب النفسي: إن “التنشئة الاجتماعية الخاطئة أهم الأسباب”.

فيما ترى منال زكريا، أستاذة علم بجامعة عين شمس، أن السبب يتلخص في الجهل، وغياب التعليم، وانتشار العادات البدائية.

وأشارت إيمان العلي، خبيرة العلوم الاجتماعية وعضوة المجلس القومي لحقوق الإنسان، إلى أن ضعف الوازع الديني أحد أهم الأسباب.

ورأى أحمد الكنفاني، عضو الجماعة الوطنية لحماية حقوق الإنسان والقانون، أن انتشار السلاح في الصعيد وراء شيوع الظاهرة.

وأضاف الكنفاني: أن العزلة الاجتماعية لأبناء الجنوب، وقلة الاهتمام السياسي والاقتصادي والثقافي بهم، وضعف الإمكانيات المقدمة لهم، وغياب الرقابة الحكومية القوية وراء استمرار الظاهرة لقرون عديدة.

وأشار محمد محمود صالح، محاضر تنمية بشرية واجتماعي، إلى أن عدم القبول بالترافع أمام أجهزة القضاء وعدم الإبلاغ عن أسماء الجناة، من أهم الأسباب.

العلاج

ورأى عصام الزهيري، الكاتب والمفكر، أن القضاء على عادة الثأر يبدأ من تعامل حازم من قبل مؤسسات الدولة والقضاء مع مرتكبي جرائم الثأر، وتطهير جهاز القضاء من الفساد الإداري والسياسي، والحد من ظاهرة حمل السلاح.

وقال الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله: إن “القضاء على عادة الثأر المخالفة للشرع يتطلب تعزيز الوازع الديني لدى الأفراد، وقيام الدولة بواجباتها التوعوية تجاه المجتمع”.

الثأر والقصاص

وقالت دار الإفتاء المصرية: إنه “شتان ما بين الثأر والقصاص، ففي القصاص الذي يُقتل هو القاتل الذي ثبت ارتكابه للجريمة بعد محاكمة شرعية عادلة، أما الثأر تقوم به القبيلة أو الشخص دون أن يكون هناك دليل قاطع بأن فلانا هو الذي ارتكب هذه الجريمة”.

وأضافت: أن القصاص يناط بالسلطات التنفيذية، والقضائية، والتشريعية، وكل جهة من هذه الجهات الثلاثة تُعدّ هي ولي الأمر فيما أُقيمت فيه، فلا يجوز بأي حال أن يُتْرك الأمر للأفراد، حتى وإن كانوا أصحاب الدم.

رهف عادل

شاهد المزيد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.