بين رعب الموت وخطر الحياة.. هكذا يعيش سكان المقابر في مصر

بين رعب الموت وخطر الحياة.. هكذا يعيش سكان المقابر في مصر
5 ملايين مواطن يعيشون في المقابر داخل 25 محافظة- مصر في يوم

يفترشون المقابر، ويلتحفون السماء، لم يجدوا بين الأحياء فسحة من السكن، فعاشوا في ضيافة الموتى، فصاروا أشبه حالا بهم، ورغم تعاسة حياتهم، إلا أنها لم تسلم من المخاطر، سواء من البلطجية أو من المشردين، ذلك هو حال “سكان المقابر في مصر”.

وبتتبع الظاهرة، نجد أن طبقة سكان المقابر ظهرت تبعا لظهور العشوائيات، وبعد أن توسّعت الهوة بين الطبقة الثرية وبين غيرها من الطبقات، مع انعدام التكافل الاجتماعي.

وتعاني هذه الطبقة من التهميش الحكومي والاجتماعي، حيث يعدون بين غيرهم مواطنين درجة ثانية، ولا يتمّ الاهتمام بقضاياهم الملحّة لا من قبل الحكومة ولا الإعلام ولا الشعب غالبا، وتنتشر بينهم الحالة الاقتصادية السيئة جدا مع الجوع والبطالة والتشرد وعدم تواجد فرص للتقدم.سكان المقابرسكان المقابر

سكان المقابر في مصر

ومما جعل الأزمة تستفحل مؤخرا، هو انضمام عدد من السوريين اللاجئين في مصر إلى سكان المقابر في مصر، ما يمكن أن يشكّل خطرا على الحالة الأمنية.

وأكثر ما يعاني منه سكان المقابر هو حالات الخطف والسرقة العشوائية والاغتصاب، التي يمكن أن تطال أيّ واحد منهم، لوجودهم في العراء بشكل مستمر، حيث تعد بيئتهم خصبة لإنتاج المشاكل والجرائم وكل ما يهدد الأمن المجتمعي.

من جانبه، يرى سمير عبد الفتاح، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة عين شمس، أن المقابر هي الحصن المنيع للفقراء غير القادرين على تحمل تكلفة المعيشة الصعبة في مصر، محذرا من ثورة جياع.

ويحمل عبد الفتاح الدولة جزءا كبيرا من المسئولية، موضحا أن الحكومة تفتقد الكوادر الاجتماعية المتخصصة في التخفيف عن المعاناة الإنسانية للطبقات الفقيرة من المجتمع المصري، وإعلان ارتفاع الأسعار دون دراسة تأثيراتها النفسية والاجتماعية على المواطنين.

ويشير أستاذ علم النفس إلى أن تجاهل التعامل مع مطالب سكان المقابر وتهميشهم سيمثل قنبلة موقوتة تنفجر في المجتمع، قائلا: “الأغنياء يعاملون الفقراء بشكل طبقي كبير، والفقراء باتوا تحت رحمة طمع التجار، لذلك ستقوم الثورة وسينتقم الفقراء من الأغنياء والحكومة التي سمحت لهم بذلك”.

أحلام وأمانٍ

الحاجة وفدية عبد الحميد، 70 عاما، تسكن في المقابر في محافظة القاهرة منذ 55 عاما، رغم محاولاتها المستمرة للبحث عن مسكن لها، إلا أن كل محاولاتها باءت بالفشل.

وفي حوار صحفي في يونيو 2018، قالت عبد الحميد: “منذ أكثر من 20 عاما وأنا أقدم أوراقي للحكومة ولكن لم تتجاوب الحكومة مع مطلبي”.

وأضافت العجوز: “أنا عجوز ويائسة من الحياة، ولكني أحلم بالحصول على شقة أعيش فيها ولو لشهر ثم أموت، كي أجرب حياة الناس العاديين الذين لديهم حمام ومنزل”، مختتمة حديثها باكية: “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”.

وفي نفس الظروف الصعبة، يكشف محمد جمال، 30 عاما، أن عائلته تركت منزلهم الكائن في منطقة شعبية وقتما كان عمره خمسة أعوام، بسبب تسرب المياه، ما أجبرهم على ترك الشقة والعيش في مقابر عائلتهم ليجدوا الراحة بينهم، ومنذ ذلك الوقت وحياتهم مستمرة في المقابر.

وحول خطورة الوضع، يقول جمال: “هناك حرامية وبلطجية منتشرون في المقابر، وتعرضنا لحوادث سرقة عدة مرات”. مؤكدا أنه يخشى على إخوته البنات ويمنعهن من الخروج ليلا خارج المقابر.

تجاهل الحكومة

وتسود على ألسنة سكان المقابر جملة توضح مدى الخطر الذي يحدق بهم، وهي: “الأموات في باطن الأرض لا يؤذون أحدا ونشعر معهم بالأمان، لكن الخوف كله من الأحياء فوق الأرض”.

فيقول أيمن ، 35 عاما من سكان المقابر: “نفقد الشعور بالأمان والبلطجة زادت والمسجلون ينتشرون والأشقياء يضايقون الفتيات بمعاكسات بذيئة جدا خاصة بنات المدارس، في حين أن الشرطة لا تحرك ساكنا، وواضح أنهم أيضا يخافون”.

ويوضح أيمن أنه قضى عمره منذ ميلاده وحتى زواجه وسط الأموات، وأن مهنته هي أن “يحافظ على الناس ويحميهم”، فضلا عن أنه مسئول عن أحد الأضرحة.

من جانبه، يؤكد جعفر محمد الشيخ، من سكان المقابر، على كلام أيمن قائلا: “الدنيا خربانة والدولة لا تفعل شيئا ونحن نريد منها أن تشدد من قبضتها حتى يعود الأمن والنظام. والدنيا سايبة في المقابر وليس هناك رادع وليس هناك قانون وكل من يريد شيئا يفعله دون أن يسأله أحد”.

وفي عام 2014 نشرت صحيفة “الرأي اليوم” العربية أن أكثر من تسع حكومات مرَّت على مصر، خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، ودائما ما يُغمضُ المسئولون أعينهم عن العديد من الأرقام حتى لا يصطدموا بالكارثة.

سكان المقابرسكان المقابر

إحصائيات مفزعة

آخر إحصائية رسمية عن عدد سكان المقابر في مصر، صدرت في نوفمبر 2017، من الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، والذي كشف عن أن 5 ملايين مواطن يعيشون في المقابر داخل 25 محافظة.

وذكر جهاز الإحصاء أن عدد سكان المقابر في إقليم القاهرة الكبرى- الذي يتضمن كلا من محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية- بلغ 1.6 مليون في السنوات العشر الأخيرة.

وأوضح أن هذا العدد قد تطور من حوالي 10 آلاف ساكن في مقابر القاهرة الفاطمية سنة 1898، إلى 25 ألفا سنة 1910، ثم إلى 50 ألف سنة 1944، ثم وصل بطريقة جنونية إلى 80 ألف مواطن في القاهرة.

ورجّح جهاز الإحصاء أن يرتفع الرقم إلى 10 ملايين مواطن مع حلول عام 2030.

يذكر أن ساكني العشوائيات في مصر قد وصلوا إلى 28 مليون ساكن، حسب نفس الإحصائية، بينهم 10 ملايين في القاهرة، وتعد هذه الطبقة هي المغذية الرئيسية لطبقة ساكني القبور ما لم يتم الاهتمام بهم وتوفير الحياة الكريمة لهم.

ومن المتوقع أن تتزايد أعداد سكان المقابر بعد تصريحات البنك الدولي أن “نحو 60% من سكان مصر إما فقراء أو أكثر احتياجا”، وبعد رفع الدعم وارتفاع الأسعار.

عبد الله محمد

شاهد المزيد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.