الانتحار بسبب الفقر والمرض.. لماذا زادت الحالات مؤخرا؟

الانتحار بسبب الفقر والمرض.. لماذا زادت الحالات مؤخرا؟
تحتل مصر المرتبة 96 على مستوى العالم في حالات الانتحار- مصر في يوم

“الانتحار بسبب الفقر والمرض”.. عامل يتخلص من حياته بسبب عدم القدرة على تدبير نفقات العلاج، وآخر ينتحر بعد قتل أولاده الثلاثة بسبب الفقر، وثالث يلقي بنفسه أسفل عجلات المترو، وأم تلقي بأطفالها في الترعة لعجزها عن إطعامهم ثم تقدم على قتل نفسها.

عشرات المشاهد المأساوية التي تطالعنا بها الصحف يوميا لمصريين يائسين من تحسن أوضاعهم الاقتصادية، يلجأون للانتحار أمام عجزهم عن تلبية متطلبات الحياة في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات المستمر.

الانتحار بسبب الفقر والمرض

أحدث حالات الانتحار بسبب الفقر والمرض ما قام به عامل عمره 57 عاما من مدينة قها، إذ تخلص من حياته بإلقاء نفسه من الطابق الرابع لعدم قدرته على العلاج ويأسه من الشفاء من مرض الكبد.

ومن أشهر حالات الانتحار بسبب الفقر والمرض معا، تخلص حداد من حياته، بإلقاء نفسه وأبنائه الثلاثة في النيل، في ديسمبر الماضي، وذلك لمروره بأزمة مالية نتيجة عجزه صحيا عن إيجاد عمل مناسب، وانفصاله عن زوجته لعجزه عن تدبير نفقات علاج نفسه، وكذلك الإنفاق على أسرته.

وسجلت محاضر وتحقيقات الشرطة والنيابة العامة 30 حالة انتحار في يوليو الماضي فقط في 15 محافظة، وكان الفقر والظروف المادية السيئة عاملا مشتركا بين أغلب تلك الحالات.

وتحتل مصر المرتبة الستة والتسعين على مستوى العالم في حالات الانتحار، وفقا لتقرير منظمة الصحة العالمية، إذ بلغت حالات الانتحار 150 حالة في الفترة من يناير حتى أغسطس من العام الماضي، بينما بلغت حالات الانتحار 1746 حالة خلال آخر سبع سنوات.

خطر على النظام الاجتماعي

ويعتبر علماء الاجتماع والأخصائيين النفسيين ارتفاع معدلات الانتحار خاصة بسبب الفقر والمرض ظاهرة تشكل خطرا على النظام الاجتماعي، وتحتاج بحثا لمعرفة الأسباب ورصد دقيق لأعداد الحالات ومن ثم تدخل أجهزة الدولة لإيجاد حلول.

وفي السياق، يشرح  حازم حسانين، المحلل الاقتصادي أن التدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية جاء بالتزامن مع تطبيق إجراءات تقشفية كرفع الدعم وتعويم الجنيه ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي.

ويضيف أنه تسبب في تآكل قيمة العملة المحلية بأكثر من الضعف، ثم موجات الغلاء المتلاحقة حتى بلغت نسبة الزيادة في الوقود 500%، وتذكرة المترو 700%، والمياه والكهرباء 400%.

ويلفت إلى أن انتشار البطالة بنسبة عالية بين الشباب، رغم جهود الدولة للحد منها، أفضى إلى عدم قدرة ملايين المصريين على تلبية احتياجاتهم الأساسية أو حتى العيش مستورين، وهذا من أهم أسباب الانتحار مؤخرا.

الإحباط والاكتئاب

في حين يقول د. أحمد عبد الله، مدرس الطب النفسي بجامعة الزقازيق: إن “كل أسباب الانتحار موجودة في مصر، فالانتحار هو نوع من أنواع العنف الموجه ضد النفس، وقد يرجع لأسباب بيولوجية ونفسية واجتماعية، ومنها الضوائق الاقتصادية”.

ويشير إلى أن السبب الرئيسي لزيادة حالات الانتحار في مصر مؤخرا هو  “الإحباط الشديد”  وذلك بسبب:

  • ركود الاقتصاد وتدني دخل الفرد.
  • البطالة وغموض المستقبل.
  • صعوبة الزواج.
  • المشاكل الأسرية.
  • الخواء الثقافي والديني.

ويلفت أحمد عكاشة، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، إلى أن الانتحار بسبب الفقر والمرض ما هو إلا شعور بالعجز وعادة ما يسبقه مرور المنتحر بحالة من الاكتئاب الذي يعد مرض العصر عند المصريين. بحد وصفه.

ويؤكد أن مرض الاكتئاب في مصر تتراوح نسبته ما بين 22 إلى 24%، وأنه بحلول 2030 سيكون مرض الاكتئاب هو الأول بين غيره، بحسب ما ذكرته منظمة الصحة العالمية.

وتتفق رحاب العوضى، أستاذ علم النفس السلوكى بجامعة القاهرة، مع ما سبق وتطالب أجهزة الدولة بالتعامل بجدية أكثر حيال الرسائل المتتالية التي يرسلها المنتحرون للمجتمع.

وتضيف أستاذ علم النفس السلوكي أن سياسات الحماية الاجتماعية التي يدعمها صندوق النقد الدولي والحكومة لم تمنع من زيادة حالات الانتحار بين الفقراء والعاطلين عن العمل، لأنها لم تقدم حلولا جذرية شاملة لمشاكل الفقر والبطالة المنتشرة.

خط الفقر

وبالرغم من عدم إعلان جهاز الإحصاء عن معدلات الفقر الحقيقية في مصر منذ عام 2015، وكذلك أعداد حالات الانتحار وأسبابها، إلا أن بيانات البنك الدولي عن معدلات الفقر في مصر، وتآكل الطبقة الوسطى، في الثاني من مايو الماضي، أوضحت “أن نحو 60% من سكان مصر إما فقراء أو أكثر احتياجا”.

وأضاف البنك: “أن عدم المساواة آخذ في الازدياد، واقترب معدل الفقر الوطني من 30% عام 2015، ارتفاعا من 24.3% عام 2010”.

وكان آخر رقم معلن عن نسبة الفقر في مصر، من جهاز التعبئة العامة والإحصاء، هو 27.8% في عام 2015، إذ تعلنه مصر كل عامين، لكن الجهاز لم يعلن حتى الآن عن مؤشرات الفقر في 2017، وهو ما دفع نواب البرلمان للمطالبة أكثر من مرة بإعلان نسبة الفقر.

ويقول  النائب محمد بدراوي، عضو لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب: إن معدل الفقر الآن ارتفع ولن يقل عن 32%، خصوصا بعد تعويم الجنيه.

نهاية العلاج المجاني

وكان مجلس النواب أقرّ تنفيذ قانون التأمين الصحي الشامل بشكل نهائي، في 18 ديسمبر 2017، وسط اعتراضات نيابية وحقوقية وتحفظات من نقابة الأطباء.

فيما أعلنت نقابة الأطباء حينها تجاهل البرلمان لمجمل الملاحظات التي تقدّمت بها، وخاصة فيما يتعلّق بتقنين ملكية المستشفيات، والتحذير من شراء عدد من الشركات متعدّدة الجنسيات لمستشفيات خاصة، وأن ذلك سيشكّل خطرا كبيرا خاصة على الفقراء.

وتحفّظت أيضا على رفع قيمة اشتراك المواطن، ومطالبة المريض بدفع ما يصل إلى 10% من قيمة التحاليل والأدوية عند حاجته للخدمة الطبية، على الرغم من دفعه اشتراكا شهريا من دخله لمصلحة التأمين الصحي.

وكشفت وزارة الصحة أنه في كل مرحلة يُجرى فيها تطبيق التأمين الصحي الاجتماعي الجديد، سيُجرى تدريجيا إلغاء العلاج المجاني على نفقة الدولة، وسيُجرى إلغاؤه كليّا مع تعميم تطبيق النظام على الجمهورية.

رهف عادل

شاهد المزيد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.