خطبة الجمعة في مصر.. محطات من الموحدة إلى المترجمة

خطبة الجمعة في مصر.. محطات من الموحدة إلى المترجمة
الأزهر رفض قرار الخطبة الموحدة المكتوبة، ووصفه بأنه سيحول الأئمة لقارئي نشرات - أرشيف

دأبت وزارة الأوقاف بداية من 2014 وحتى الآن، على إحداث تغييرات وإصدار قرارات تخص خطبة الجمعة بمصر، في محاولة لضبط الخطاب الديني، والسيطرة على المساجد التابعة لها، بدأ الأمر بتوحيد موضوع الخطبة، وإلزام الأئمة بالقرار، وتوقيع الجزاءات المشددة على المخالفين منهم.

لم تكتفِ وزارة الأوقاف بوحدة الموضوع، وإنما انتقلت إلى تعميم نص الخطبة الملقاة على المصلين كل أسبوع، من خلال قرار وزير الأوقاف، محمد مختار جمعة، بتطبيق الخطبة الموحدة المكتوبة، وهو القرار الذي جرى تجميده بعد ذلك، نتيجة اعتراضات من الأزهر، وتدخل من رئيس الجمهورية.

أحدث القرارات، صدر أمس بترجمة الخطبة للغات متعددة بعد ترجمتها منذ أسابيع في بعض المساجد للغة الإشارة الخاصة بالصم والبكم، وفي كل خطوة ومرحلة من المراحل السابقة، ينقسم الأئمة والدعاة إلى مؤيد ومعارض لقرارات الأوقاف، فالوزارة تراه تجديدا ومحاربة للتطرف، بينما يراه آخرون جمودا وقتلا للإبداع في الخطبة والمرونة عند الخطيب.

مرحلة الترجمة

قررت وزارة الأوقاف، أمس الخميس، نشر خطبة الجمعة اليوم بعنوان “البناء الاقتصادي السديد وأثره في استقرار المجتمع” بثمانية لغات: الإنجليزية، الألمانية، والفرنسية، والروسية، والسواحلية، والهوسا، والإسبانية، واليونانية.

وقالت الأوقاف: إن “ذلك يأتي في إطار خطة الوزارة لترجمة خطب الجمعة أسبوعيا بعدة لغات، ونشرها مكتوبة ومسموعة ومرئية، بالصوت والصورة، ونشرها مرئية بلغة الإشارة لذوي القدرات الخاصة”.

وأوضحت أن الأمر يُجرى عبر قيام عدد من أساتذة اللغات المتخصصين بتسجيلها بالمركز الإعلامي بوزارة الأوقاف أسبوعيا.

كما قررت وزارة الأوقاف، في 31 من يناير الماضي، تقديم خدمة الخطبة المسموعة أسبوعيا على الموقع الرسمي للوزارة، لذوي الاحتياجات الخاصة تيسيرا على الأئمة المكفوفين، ومن يرغب في استماعها.

الخطبة الموحدة والمكتوبة

خطوة ترجمة الخطبة لثماني لغات سبقتها خطوات لاقت كثيرا من الجدل بين الأوساط الدينية، حتى وصل الأمر إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي.

ففي منتصف يوليو 2014، قرر وزير الأوقاف، محمد مختار جمعة، تطبيق الخطبة الموحدة على جميع مساجد الجمهورية، في خطوة وصفها باستعادة المنابر مرة أخرى من المتشددين.

لم تلقَ الخطوة قبولا بين الأئمة، فخرج الكثيرون عنها، وتحدثوا في موضوعات مختلفة، وجرت معاقبتهم من قِبل الوزارة، بالخصم من رواتبهم، والنقل إلى مناطق أخرى ومساجد بالمحافظات النائية عقب التكرار أكثر من مرة.

وبعد عامين من تطبيق الخطبة الموحدة، قرر وزير الأوقاف، تحويلها إلى مكتوبة، في 12 من يوليو 2016، لإلزام الأئمة أكثر بالموضوعات التي يُجرى تحديدها، حسب تعبيره.

خلاف الأزهر والأوقاف

ثارت هيئة كبار العلماء على قرار وزير الأوقاف، في 26 يوليو 2016، وقررت برئاسة الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، بالإجماع، رفض قرار الخطبة الموحدة المكتوبة جملة وتفصيلا، ووصفوه بأنه سيحول الأئمة لقارئي نشرات، ويقتل الإبداع لديهم.

وقالت الهيئة في بيان لها: إن “الأئمة يحتاجون إلى تدريبٍ جاد وتثقيف وتزويدهم بالكتب والمكتبات، حتى يستطيعوا مواجهة الأفكار المتطرفة والشاذَّة بالعلم والفكر الصحيح، وحتى لا يتَّكئ الخطيب على الورقة المكتوبة وحدها”.

من جانبه، رد وزير الأوقاف، في اليوم نفسه، بأن رأي هيئة كبار العلماء في الخطبة المكتوبة غير ملزم للوزارة، قائلا: “نحترم هيئة كبار العلماء، لكن القرار غير ملزم”، موضحا الخطبة المكتوبة ليست سياسية، إنما هي صياغة للفكر المستنير.

السيسي يتدخل

بعد صراع الأوقاف مع الأزهر والأئمة، قرر الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلغاء الخطبة المكتوبة قائلا: “الخطبة المكتوبة اختزال للدين”، مضيفا: “الدكتور محمد مختار جمعة تسرّع في تطبيقها”.

وقال السيسي خلال احتفالية وزارة الأوقاف بالمولد النبوي الشريف، في 8 ديسمبر 2016: إنه “يجب العمل على إعداد خطبة تتصدى للتطرف والأفكار الشاذة التي يعاني منها المجتمع”.

وطالب السيسي خلال الاحتفالية، بتشكيل لجنة تضم علماء نفس واجتماع ودين، لإعداد خطب الجمعة خلال الخمس سنوات المقبلة.

وبعد طلب السيسي هذا، فإن الخطبة بمصر مرت بأربعة مراحل: الأولى قرار الأوقاف بجعلها “موحدة”، ثم تحويلها إلى “مكتوبة”، ثم عودتها”موحدة” مرة أخرى، وأخيرا إيكال الأمر للجنة مختصة، بناء على طلب السيسي.

توحيد الخطاب الديني

تأتي الخطوات بالعمل على توجيه وتوحيد ما يتردد في المساجد وعلى المنابر، ضمن خطة تجفيف منابع “الإرهاب” وضمان ما يُنشر على مسامع الناس من أفكار ودعوات.

وفي ذلك، قال الشيخ جابر طايع، المتحدث باسم الوزارة: “إن وزارة الأوقاف استطاعت استعادة أكثر من 95% من الخطاب الديني، والسيطرة عليه” وذلك بعدما سيطرت عليه تيارات مختلفة.

وأوضح طايع، أن قرارات وزير الأوقاف غيّرت هذا الواقع، بدءا من القرار الأول، القاضي بأن لا يعتلي المنبر إلا خريج أزهر بعد فحص وتدقيق أمره، ثم يُمنح رخصة خطابة أو إمامة مسجد.

وتابع: أن “القرار الثاني كان بشأن آليات السيطرة على الزوايا، وغلق الزوايا الملاصقة للمساجد، إذ جرى غلق أكثر من 20 ألف زاوية، وفرت علينا مجموعة من الأئمة”.

رفض للقرارات

من جانبه، اعتبر المنسق العام للجنة الفتوى في الأزهر، عبد الهادي زارع، أن الخطبة المكتوبة تُضفي على الأمر جمودا، ولا تمنح الخطيب مرونة النظر فيما يحتاجه الجمهور في الواقع.

وتساءل مستنكرا: “كيف أطلب تجديد الخطاب الديني، ثم أحجر على الخطيب في أن يتصرف في خطبة هو يُلقيها، هذا يقتل مَلكة البحث والكلام، والاستنباط، واستخراج الأدلة، وإذا جاء ليجادل أحدا من أصحاب فكر الجماعات المتطرفة أو المستشرقين غلبه”.

فيما قال عبد السلام محمود، إمام مسجد بمدينة الأقصر: “كل مدينة وكل قرية لها ظروف تختلف عن بعضها البعض، ففي قرية ما يمكن أن تكون السرقات منتشرة، فيجب أن يكون الحديث عن السرقات، وفي منطقة ما يمكن أن تنتشر حوادث القتل، وهنا يجب الحديث عن حرمة القتل”.

عبد الله محمد

شاهد المزيد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.