التسول في مصر.. علاج غائب وعقاب غير رادع

ظاهرة التسول في مصر.. علاج غائب وعقوبات لا تردع
ظاهرة التسول تعد خطرا على المجتمع من الناحية الأمنية والاقتصادية والمجتمعية، لارتباطها بجرائم أخرى مثل خطف الأطفال

من سيارة إلى أخرى، ومن شارع إلى حارة، ومن ميدان إلى نفق، تنتشر ظاهرة التسول في مصر التي لا تخطئها العين، إلى الحد الذي أشارت تقديرات بحثية إلى أن أعداد من امتهنوا تلك الجريمة في حق المجتمع تجاوزوا نصف مليون شخص، أغلبهم من الأطفال، وفقا لإحصائية حديثة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، بينهم نحو 15 ألفا في القاهرة وحدها.

ورغم الإعلانات الحكومية عن مواجهة تلك الظاهرة، والحملات الشعبية الرامية إلى الحد منها، وعلاج بعض أسبابها المجتمعية، فإن جولة قصيرة في الشوارع أو الحدائق والمتنزهات والمرافق العامة تكشف أن كل ذلك لم يسفر عن إنهاء ظاهرة التسول، أو حتى الحد منها بشكل واضح.

ويحذر علماء اجتماع من أن ظاهرة التسول تعد خطرا على المجتمع من الناحية الأمنية والاقتصادية والمجتمعية، لارتباطها بجرائم أخرى، تتنوع بين خطف الأطفال، وتنظيم مافيا الشوارع، للسيطرة على عوائد التسول والسرقات، وتوزيع الممنوعات، والإثراء دون تقديم عمل حقيقي يفيد المجتمع عبر استجداء مشاعر المواطنين.

وكخطوة رسمية، أحال علي عبد العال، رئيس مجلس النواب، في الرابع من فبراير الجاري، مشروع قانون “مكافحة التسول” المُقدم من النائب عبلة الهواري إلى لجنة مشتركة من لجنة الشئون الدستورية والتشريعية ومكتب لجنة الإدارة المحلية.

القانون والبرلمان

مقدمة القانون “الهواري” كانت قد أعلنت في 28 سبتمبر 2017، اعتزامها إعداد تشريع جديد لتجريم الظاهرة، وأنها طلبت إحصائية كاملة من المجلس القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عن أعداد هؤلاء المتسولين في محافظات الجمهورية، إذ إنه لم تصدر إحصائية رسمية عن أعداد المتسولين والشحاذين منذ 2015.

ومن الناحية القانونية، ينص القانون 49 لسنة 1933، من قانون العقوبات، على العقوبة المحددة لجريمة التسول، في سبعة مواد، أهمها:

المادة (1): يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز شهرين، كل شخص صحيح البنية، ذكرا كان أم أنثى، يبلغ عمره خمسة عشرة سنة أو أكثر، وُجد متسولا في الطريق العام أو المحال العمومية، ولو ادعى أو تظاهر بأداء خدمة للغير أو عرض ألعاب أو بيع أي شيء.

وفي الخمسة مواد التالية عيّن القانون عقوبات لأفعال أخرى تندرج تحت جرم التسول، ولم تتعدَّ في أقصى حالاتها ستة أشهر، ثم نصت المادة (7) أنه: في حالة العود تكون عقوبة الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون الحبس مدة لا تتجاوز سنة.

الأسباب والعلاج

تتعدد أسباب التسول في مصر ودوافعه، بحسب الخبراء والمتخصصين، فمن الحالة الاقتصادية للأسرة، إلى الخروج للشارع هربا من خلافات البيت، مرورا بالجهل، والبطالة، وسوء التربية، ويمكن تلخيص أسباب انتشار الظاهرة فيما يلي:

  • انتشار الفقر والجوع: إذ كشف الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، عام 2015، أن 27.8% من السكان، أي: حوالي 30 مليون مواطن، فقراء ولا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية من الغذاء وغيره.
  • التسرب من المدارس، وترك التعليم مبكرا، وانتشار عمالة الأطفال.
  • انتشار البطالة وغلاء المستوى المعيشي.
  • التكاسل وعدم السعي للرزق.
  • ضعف الرعاية التي تقدم للمسنين والمحتاجين.
  • تربية الأطفال على التسول.
  • انتشار المخدرات وإدمانها.

أما عن سبل ووسائل العلاج، فلخصها الباحثون في خطوات:

  • بناء مشروعات حقيقية للمتسولين، تكفل لهم حياة كريمة من قِبَل المسئولين.
  • التشجيع على التعليم، ودعم الراغبين فيه.
  • تشريع القوانين الرادعة التي تعاقب التسول، وأي شخص يقوم على تنظيم جماعات للمتسولين.
  • نشر الوعي عن طريق الإعلام لبيان ضرورة تقديم المساعدة لتغيير أحوال المتسولين.

إحصائيات

في حين رصد قسم الجريمة بالمركز القومي للبحوث، في تقرير له أوائل عام 2017، إحصائيات التسول في المحافظات المختلفة، وبيّن التقرير ارتفاع أعداد المتسولين في الوجه البحري عن القبلي، على النحو التالي:

  • القاهرة: بلغ عدد المتسولين فيها نحو 14 ألفا و400 متسول، لتكون الأولى في ترتيب المحافظات.
  • الإسكندرية: فيها نحو 9 ألاف متسول.
  • الجيزة: حوالي 7 آلاف و600 متسول.
  • الغربية: نحو 5 آلاف و800 متسول.
  • الدقهلية: حوالي 3000 متسول.

وفي الوجه القبلي تقلّ الظاهرة، وتتركز أغلبها في بني سويف بعدد 1200 متسولا، ثم تقل في المحافظات الأخرى.

المتسول المليونير

امتهان التسول أصبح وسيلة سريعة لثراء صاحبها، ومن هنا أصبح توزيع المتسولين على المناطق وتقسيم العوائد تحركه مافيا وشبكات تدير الممتهنين للتسول.

وكشف إمام مسجد السيدة زينب بالقاهرة، أن أحد موظفي بنك أجنبي شهير، وهو في زيارة للمسجد، رأى أحد المتسولين أمام المسجد، وأخبرهم أنه عميل لديهم في البنك، ويمتلك في رصيده حوالي مليوني جنيه.

وبعدها بشهر، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي قصة أشهر متسول في بني سويف “كامل بيه”، وأورد المتابعون العديد من المواقف التي جرت معه، ومن بينها أنه كان دائم التردد على البنك الأهلي، فرع بني سويف.

ونشر أحد موظفي البنك أن الرجل العجوز “كامل بيه” الذي يرتدي جلبابا قديما، يمتلك أكثر من ثلاثة ملايين جنيه داخل البنك، وعمارتين بمنطقة الهرم وفيصل في محافظة الجيزة.

حملات شعبية

ظاهرة التسول في مصرومحاولة الحد منها لم تتوقف على الجهود الحكومية الرسمية، وإنما امتدت لحملات شعبية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تحاول توعية المواطنين ومحاربة الظاهرة، والأخطار التي تنتج عنها.

ففي سبتمبر 2014، انطلقت حملة “تصوير الأطفال المتسولين”، لاحتمال كونهم مخطوفين، وجارٍ البحث عنهم من قِبل أهليهم، إلا أن الحملة توقفت في أكتوبر 2015.

وفي يونيو 2017، انطلقت حملة بفكرة مختلفة، عبر هاشتاج يحمل اسم “صدقتك مش مكانها الشارع” لمناهضة التسول في المناسبات خاصة شهر رمضان.

عبد الله محمد

شاهد المزيد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.