جريمة الاتجار بالبشر في مصر.. هل الأحكام القضائية كافية لمنعها؟

الاتجار بالبشر في مصر
جريمة الاتجار بالبشر تحتاج إلى عقوبات أكثر ردعا - أرشيف

“النظر للإنسان على أنه سلعة، أو عبد، أو عدة أعضاء يمكن بيعها والتربح منها بأموال طائلة”.. هذه جريمة الاتجار بالبشر التي ترفضها المجتمعات، والقوانين والشرائع السماوية، ورغم ذلك فقد انتشرت في مصر وباتت حديث الإعلام والمواطنين.

ففي 12 من يوليو الماضي، قضت محكمة جنايات جنوب القاهرة، بالسجن المشدد من 3 إلى 15 سنة للمتهمين بـ”شبكة الاتجار بالأعضاء البشرية”، حضوريا، و3 متهمين غيابيّا، وقضت بالسجن المشدد 15 سنة وغرامة 500 ألف لخمس متهمين، وبالسجن المشدد سبع سنوات لأحد عشر متهما، وغرامة مالية 300 ألف جنيه.

وأكدت التحقيقات قيام 20 طبيبا من الأطباء الجامعيين والعاملين بالمستشفيات الحكومية من المتخصصين في أمراض الباطنة والجراحة العامة وجراحة المسالك والرعاية والتخدير، إلى جانب 21 معاونا، بإجراء 29 عملية جراحية لنقل وزراعة الكلى لعدد من الأجانب بعد استئصالها من الضحية.

وفي ديسمبر الماضي، حدّدت محكمة استئناف القاهرة، جلسة 24 يناير المقبل لبدء أولى جلسات محاكمة عامل، وشقيقه، ووالدتهما، لاتهامهم بعرض طفل نجل شقيقة الأول والثاني وحفيد الأخيرة، للبيع بمنطقة المعادي مقابل 50 ألف جنيه.

وفي مايو الماضي، أمر النائب العام بإحالة 40 متهما إلى الجنايات، لاتهامهم بارتكاب جرائم الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، ولا زالت القضية مفتوحة.

مفهوم واسع

يعرف الخبير القانوني والجنائي، أكرم عبد الرزاق المشهداني، الاتجار بالبشر في كتابه “جرائم الاتجار بالبشر” بأنه: “تجنيد أشخاص أو نقلهم أو إيوائهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة، أو استعمالها، أو غير ذلك، من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع”.

ويكمل التعريف: “أو إساءة استعمال السلطة، أو إساءة استغلال حالة الاستضعاف، ويشمل الاستغلال كحد أدنى، استغلال دعارة الغير، أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي، أو السُّخرة، أو الخدمة قسرا، أو الاسترقاق، أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد، أو نزع الأعضاء”.

وهذا التعريف يعني أن بعض الممارسات غير الأخلاقية، كالدعارة أو استغلال حاجة الفتاة للمال، أو استغلال جهل الأطفال وتعذيبهم، أو الزواج القسري للفتيات من أجل المال، كل ذلك يندرج قانونيا تحت جريمة الاتجار بالبشر.

إحصائيات خطيرة

وفي أكتوبر الماضي، نشر صندوق النقد الدولي دراسة عن الجريمة بعنوان “الكارثة الخفية” أوضح فيه أن هناك حوالي 40 مليون شخص حول العالم فريسة الاتجار بالبشر، في تجارة إجرامية تدر ما يزيد على 150 مليار دولار سنويا على أصحابها المجرمين.

كما أورد الصندوق تقريرا لمنظمة العمل الدولية لعام 2015، أشار فيه إلى أن الشرق الأوسط يعد أقل مناطق العالم في انتشار الاتجار بالبشر بنسبة 6% من الإجمالي العالمي.

وقبل ذلك أصدرت إحدى المنظمات التابعة للأمم المتحدة تقريرا، بتاريخ 1 يونيو 2012، أوردت فيه أن هناك حوالي 21 مليون شخص هم ضحية الاتجار بالبشر في ذلك الوقت، أغلبهم من النساء والأطفال.

كما أوضحت الدكتورة غادة حلمي، الخبيرة بملف الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية، خلال لقائها ببرنامج على التلفزيون المصري، في أغسطس 2017، أن جرائم الاتجار بالبشر تمثل ثالث أكبر تجارة غير مشروعة في العالم بعد تجارة المخدرات والسلاح، إذ تحقق أنشطتها أرباحا طائلة تقدر بالمليارات.

وتؤكد الدكتورة غادة حلمي، لمصادر صحفية في موضع آخر، أن لتلك الجريمة آثارا اقتصادية وخيمة من خلال تبييض وغسيل الأموال المتربحة منها، التي تسبب الكثير من المخاطر والأضرار على القطاع المالي والمصرفي، خاصة على أسعار صرف العملات والتهرب الضريبي.

وأضافت حلمي: أن هذه الأرباح الطائلة غير المشروعة تؤدي إلى حرمان الدول المحولة منها الأموال من الاستفادة من هذه الأموال في تحريك عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيها، في الوقت الذي لا يُجرى دفع ضرائب عن هذه الأموال.

انعدام الضمير

من جانبه، قال اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية الأسبق، في تصريحات لمصادر صحفية، ديسمبر الماضي: “إن عدم إحساس المواطن بالنعمة التي منّ الله عليه بها، يعد السبب وراء الاتجار بالأعضاء البشرية، حيث يبيع أعضاءه ويصبح بعد ذلك شخصا عليلا”.

ويقول اللواء رفعت عبد الحميد، الخبير الأمني، في تصريحات أخرى، بنفس الشهر: “جرائم اختطاف الأطفال حديثي الولادة ظهرت في البداية بمساعدة بعض الممرضات، وتؤدي لاختلاط الأنساب، وللأسف العقوبات هزيلة وضعيفة، ويُجرى اعتبار هذه الجرائم جنح، لذا بات من الضرورى تغليظ العقوبات”.

وأوضح الخبير الأمني، أن القائمين على اختطاف الأطفال وبيعهم في الأعم الأغلب يكنّ سيدات، مشيرا إلى أنه بات من الضروري تعريف المواطن بالأمن الذاتي، مما يعني حماية الأشخاص لأطفالهم من الاختطاف وحماية الكبار من نزع أعضائهم.

محاولات إصلاحية

في حين كشفت مصادر مطلعة بوزارة العدل، خلال شهر أكتوبر الماضي، أن الوزارة تعمل على تنفيذ الإستراتيجية الوطنية لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر، وذلك عبر:

  • إنشاء صندوق لتأهيل الضحايا نفسيّا وماديّا، والمنصوص على إنشائه في القانون 64 لسنة 2010.
  • تدريب العاملين في مجال حقوق الانسان، ومكافحة الاتجار بالبشر من قضاة وموظفين على التعامل مع الظاهرة.
  • التنسيق مع محاكم الاستئناف لإنشاء دوائر جنائية متخصصة لنظر كافة القضايا المتعلقة بالجريمة.

وأوضحت المصادر في حوارات صحفية، أن أسباب ظاهرة الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية تتركز في الفقر والبطالة، بجانب وجود شبكات وعصابات دولية تقوم بتوفير وسائل ارتكاب هذه الجرائم.

عبد الله محمد

شاهد المزيد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.