الموالد في مصر.. قصة عشق تتوارثها الأجيال

مولد السيد البدوي
مولد السيد البدوي بطنطا

تشتهر مصر دون غيرها من سائر البلاد بإقامة الموالد الشعبية، واقترنت تلك المناسبات بتقديم النذور والقرابين لآل البيت والأولياء الصالحين، انطلاقا من حالة العشق التي توارثتها الأجيال منذ قدومهم إلى مصر في القرون الهجرية الأولى، ولعل أبرزها مولد السيد البدوي الذي تحل مناسبته السنوية هذه الأيام.

بدأ الآلاف من أهالي محافظة الغربية، ونحو 67 طريقة صوفية هذا الأسبوع الاحتفال بمولد السيد البدوي بمدينة طنطا بمحافظة الغربية، الذي يتوافد عليه نحو 2 مليون زائر من مختلف محافظات الجمهورية وعدد من الدول العربية والإسلامية، ويستمر لمدة أسبوع.

ويعد مولد “البدوي” أحد المصادر الأساسية للسياحة بمحافظة الغربية، ومصدر ربح لأصحاب محلات الحلويات المتواجدة بمنطقتي المسجد الأحمدي والساري، إذ يعتبر التجار هذا المولد موسما تجاريا بالنسبة لهم، خاصة تجار الحمص والحلاوة.

كما يعد أصحاب المقاهي عدتهم لاستقبال المريدين في أكبر تجمع تشهده مدينة طنطا على الإطلاق، وتعتبر القهوة الأحمدية المواجهة للسيد البدوي من أشهر المقاهي.

استعدادات بالغربية

ورفع اللواء طارق السعيد، محافظ الغربية، حالة الطوارئ بكافة الأجهزة التنفيذية ومديريات وقطاعات الخدمات بمدينة طنطا، استعدادا لاستقبال المولد على مدار فترة الاحتفالات، موجها رئيس مركز ومدينة طنطا ورئيسي حي أول وثان بتكثيف حملات النظافة بشوارع المدينة على مدار فترة الاحتفال بالمولد.

وأيضا تكليف مديرية التموين بالتنسيق مع مباحث التموين بتفعيل الرقابة على الأسواق، والتأكد من جودة السلع المعروضة، ومدى صلاحيتها للاستهلاك الآدمي، وتكليف وكيل وزارة الصحة برفع درجة الاستعداد القصوى بالمستشفيات، وتوفير الأمصال والأدوية لمواجهة أي طوارئ خلال الاحتفالات بالمولد.

على جانب آخر من الاستعدادات، تقيم وزارة الأوقاف والمشيخة العامة للطرق الصوفية احتفالان.. أحدهما: بمنطقة الساري بطنطا، والحفل الآخر: بساحة السيد البدوي، ويحضر في الاحتفالين محافظ الغربية، ورئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية، ومدير الأمن، وعلماء الأزهر الشريف والأوقاف، والقيادات التنفيذية والأمنية، والآلاف من الزائرين.

وعلى الجانب نفسه، تعقد الطريقة القصبية الخلوتية، التي يترأسها الدكتور عبد الهادي القصبي، شيخ مشايخ الطرق الصوفية، ورئيس مجلسها الأعلى، احتفالاتها بمضيفة مسجد القصبي بطنطا، بإقامة احتفالات ولقاءات دينية، بحضور عدد من العلماء والمشايخ، الذين يأتون للاحتفال من جميع محافظات الجمهورية وعدد من الدول العربية.

السيد البدوي

السيد أحمد البدوي، هو أحمد بن علي إبراهيم البدوي السيد (فاس 1200 – طنطا 1276)، لقب بـ”الشيخ المعتقد الصالح أبو الفتيان”، وله طريقة معروفة باسم “الطريقة الأحمدية”، وينتسب السيد البدوي للإمام علي بن أبي طالب، ولقب بالبدوي، لأنه كان يتلثم على عادة بدو شمال إفريقيا.

وولد البدوي في فاس، وسافر إلى مكة والعراق، وزار الجيلاني والرفاعي، وذهب إلى مصر، وأقام في مدينة طنطا، وهناك ازدهرت طريقته، وأتباعه كثر يلبسون العمم الحمراء، ورمزهم علم أحمر، ويقام له المولد الكبير في طنطا كل عام، وقد عاصر البدوي معارك عسكرية كبيرة، مثل: معركة المنصورة، ومعركة عين جالوت، وسلاطين كبار، مثل: قطز، والظاهر بيبرس.

ويقام له كل عام احتفالان.. الاحتفال الأول: وهو “الرجبية” وتكون في شهر أبريل من كل عام، والاحتفال الثاني: “المولد” ويكون في شهر أكتوبر.

عدد الموالد

ومولد السيد البدوي وإن كان من أشهر الاحتفالات الشعبية في مصر، إلا أنه ليس الوحيد، إذ تنقسم الموالد في مصر لأكثر من فئة، أولها المناسبات الدينية العامة، مثل: مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأول العام الهجري، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان.

أما الفئة الثانية فهي موالد الأولياء، مثل: مولد الحسين، السيدة زينب، وموالد مؤسسي الطرق الصوفية.

وتذهب بعض الدراسات إلى أن عدد الموالد الإسلامية والمسيحية حوالي 2850 مولدا، يحضرها حوالي 40 مليون شخصا، وتنتشر هذه الموالد في كل المحافظات من الدلتا إلى الصعيد والقاهرة والإسكندرية، فيما أشارت بعض الدراسات المتخصصة بالفنون الشعبية والتراثية إلى أنه لا يوجد عدد محدد للموالد في مصر.

أشهر الموالد

ويعتبر من أشهر هذه الموالد “الحسين، والسيدة فاطمة، والسيدة زينب، والسيدة عائشة في القاهرة، والسيد إبراهيم الدسوقي في مدينة دسوق، محافظة كفر الشيخ، والسيد أحمد البدوي في طنطا، وعبد الرحيم القنائي (القناوي) في قنا، وأبو الحجاج الأقصري بالأقصر.

ويضاف إليهم أيضا بعض الأولياء بمحافظة الإسكندرية، وأشهرهم أبو العباس المرسي، وسيدي جابر، ويشارك فيهما الآلاف من المصريين والأجانب.

ومن بين الموالد كذلك موالد الأقباط، فيحتفلون بموالد كثيرة للسيدة مريم العذراء، والشهيد مار جرجس في القاهرة وكفر الدّوار، وميت دمسيس، والقديسة دميانة بمحافظة الدقهلية، ومار مينا بالصحراء الغربية.

متى ظهرت الموالد

اختلف الباحثون حول موعد ظهور الاحتفال بالموالد الشعبية، إذ ذهب البعض إلى أن الموالد الموجودة حاليا ما هي إلا امتداد تاريخي لما كان يفعله قدماء المصريين في احتفالاتهم بموالد الفراعنة والآلهة، إذ كانوا يحتفلون بمعجزات وخوارق تنسب للآلهة المصرية القديمة، وهي تشبه إلى حد كبير الكرامات التي يتحدث عنها المحتفلون حاليا.

بينما يذهب آخرون إلى القول بأن الاحتفالات بالموالد الشعبية بدأت منذ العصر الفاطمي (909-1171) إذ حرص الخلفاء الفاطميين على الاحتفال بعدة مواسم وأعياد على مدار العام، كان من أشهرها في هذا الوقت احتفالات رأس السنة الهجرية، ويوم عاشوراء، والمولد النبوي، وعدد من الأولياء الصالحين.

معارضة

وتتعرض الممارسات الشعبية حول أضرحة الأولياء خلال الموالد إلى معارضة شديدة بين الحين والآخر، من بعض الجماعات الأصولية، استنادا منهم إلى بعض الأحاديث النبوية، ووصفها بأنها “بدع” لا تمت للدين الإسلامي بصلة.

رقية كمال

شاهد المزيد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.