في الوقت الذي يقترب عدد السكان في مصر إلى 100 مليون نسمة، نجد أن القطاع الأهم على الإطلاق بالنسبة للسكان يواجه معاناة ضخمة، معاناة ربما تشرحها قصة وفاة رضيع أثناء ولادته في ممرات أحد المستشفيات الحكومية، لعدم وجود مكان، وهي قصة متكررة كل يوم مع اختلاف الأعمار والأوضاع.

وتكشف التقارير الرسمية والدولية نقصا كبيرا في عدد المستشفيات الحكومية، بل وحتى الخاصة، في مقابل عدد السكان الضخم، ناهيك عن الوضع المزري للبنية التحتية في المستشفيات، ونقص الأدوية والفرق الطبية، وغيرها، وهو تحدّ ليس بالجديد، بل تعيشه مصر منذ عقود.

“مفيش مكان” هكذا استقبلت مستشفى بني سويف السيدة هنا، التي كانت على وشك وضع مولودها، وتُركت “هنا” لتلد عند سلم المستشفى دون أي تواجد طبي، ودون السماح لها بالدخول للمستشفى، بسبب قلة عدد السرائر، على حد قولها.

وأدى وضع الولادة السيئ، وعدم تواجد أي رعاية صحية لها لوفاة مولودها بمجرد مولده، فيما تتهم المستشفى أسرة الطفل بالاعتداء على الطاقم الطبي عقب وفاة المولود.

وفتحت النيابة العامة ببني سويف تحقيقا شاملا، للوقوف على ملابسات الواقعة والاتهامات المتبادلة بين الأسرة والمستشفى.

إحصائيات وأرقام

قالت دراسة صادرة عن مجموعة كوليرز انتشرناشيونال للخدمات التجارية والعقارية: “إن هناك فجوة كبيرة بين الخدمات الصحية في مصر والطلب عليها، من حيث الأسرة الطبية، والعقارات الصحية، والتجهيزات الطبية، والعيادات والأطباء”.

وقدرت الدراسة الصادرة عام 2017 نسبة الأسرة للمرضى بأن مصر تمتلك متوسط يبلغ 1.5 سرير لكل ألف نسمة، فيما بين عامي 2010-2014 انخفضت إلى 1.46 سرير لكل ألف مواطن في 2015، و1.36 سرير في 2016، بينما يقدر المتوسط العالمي بـ2.7 لكل ألف نسمة.

أما عن نسبة الأطباء للسكان، فقالت الدراسة: “إن النسبة تبلغ 3.3 طبيب لكل ألف مواطن” ورغم أن النسبة مناسبة، إلا أن هناك نقصا كبيرا في الأطباء المتخصصين والأطقم الطبية، بسبب هجرة الأطباء ذوي الجودة العالية.

وفي السياق ذاته، كشف تقرير مصر في أرقام الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء في مايو 2017 أن عدد الوحدات الصحية في مصر انخفض بنسبة 20%، كما انخفض عدد مستشفيات القطاع الخاص بنسبة 29% خلال عام واحد، وانخفضت الأسرة في المستشفيات بنسبة 5% ورافق كل ذلك انخفاض نسبة الإنفاق على قطاع الصحة من 5.37% خلال عام 2014-2015 إلى 5.2% خلال عام 2015-2016.

وفي عام 2015، كشف عادل عدوي، وزير الصحة آنذاك، عن عدد المستشفيات والوحدات الصحية الحكومية، إذ قال: “إن عدد المستشفيات الحكومية 612”.

وفي 2017، كشف التقرير النصف سنوي لأداء الحكومة أن عدد المستشفيات الجامعية ارتفع ليصبح 106 مستشفى بتكلفة 10 مليار جنيه، بالإضافة إلى تجهيز وإنشاء أربع مستشفيات جامعية جديدة جاهزة للافتتاح بتكلفة 1.5 مليار جنيه.

ميزانية الصحة

أثارت ميزانية الصحة المقررة في العام المالي الأخير 2018–2019 جدلا كبيرا، فرغم زيادتها عن الموازنة السابقة بحوالي سبعة مليارات جنيه، فإنها لم تصل لما تحدث عنه الدستور المصري في مادته رقم 18 بحد أدنى 3% تزداد تدريجيا، حتى تتوافق مع النسبة العالمية للإنفاق الصحي، التي تتراوح ما بين (6 – 10)%.

وبلغت الموازنة نحو 61.8 مليار جنيه، بزيادة عن موازنة العام السابق، التي كانت 54.9 مليار جنيه، إذ بلغت الزيادة الجديدة حوالي سبعة مليارات جنيه، ولكن الدعم الحكومي المخصص للتأمين الصحي وشراء الأدوية بمشروع الموازنة جرى تقليله بمقدار 500 مليون جنيه عن العام المالي السابق.

وضع مزر

لا تقتصر أزمات المستشفيات الحكومية في مصر على انخفاض أعدادها فحسب، ولكن حتى البنية الداخلية للمستشفيات، إذ كشفت تقارير مختلفة عن تدنيها بشكل كبير.

ووصف الدكتور عبد العال محمد البهنسي، مؤسس المبادرة المصرية الوطنية لإصلاح القطاع الصحي، البنية التحتية للمستششفيات الحكومية بأنها مدمرة، مشيرا إلى كونها من القطاعات الحيوية والهامة للدولة.

وأضاف في تصريحات له: أن المريض يصطدم بالواقع المرير لحال المستشفيات، من حيث وضع البنية التحتية وقلة التجهيزات، بل وأحيانا قلة الموارد البشرية، مشيرا إلى تكرار حوادث الاعتداء على الطواقم الطبية في المستشفيات، إذ يقوم المريض بمعاقبتهم، وكأنهم المسئولين عن الأزمة.

وحذر من المستوى الذي وصلت إليه المستشفيات من انهيار في البنية التحتية، مشيرا إلى أن معظمها أصابها الانهيار في الأبنية والصرف الصحي والحوائط والدهانات، مضيفا: “وقلما نجد مستشفى حكومي بها دورة مياه آدمية تصلح للاستخدام، أو مستشفى بها التكيفات تعمل بكفاءة، إن وجد التكييف في الأصل، بالإضافة لتلفيات الأبواب والشبابيك، وأسلاك الكهرباء العارية، وسوء حالة الأَسرّة، والمراتب، ومستوي النظافة المتدني”.

واعتبر البهنسي أن المستشفيات الحكومية نتيجة لما سبق أصبحت مكانا غير آمن على المريض، متهما سياسات وزارة الصحة بالاهتمام بالحجر أكثر من البشر، واتجاهها لإنشاء مستشفيات موافقة لأكواد عالمية دون الاهتمام بالعامل البشري.

خطة الدولة للتطوير

وفي مقابل الأزمات والشكاوى المتكررة، وضعت الدولة خطة لتطوير القطاع الصحي على عدة محاور، ناقشها وأقرها البرلمان في دورته الحالية، وتهدف للخروج بالصحة من أزماتها.

وتتمثل ملامح الخطة في:

  • زيادة نسبة المستفيدين من خدمات المستشفيات العلاجية في المناطق النائية والمحرومة.
  • الاهتمام بخدمات الرعاية العاجلة والطوارئ.
  • العمل على افتتاح 13 مستشفى طب علاجي في 2018-2019.
  • زيادة عدد الآسرّة في المستشفيات.
  • زيادة عدد الأطباء ليصل 11,62 طبيب لكل 10 آلاف نسمة عام 2018/2019.
  • زيادة عدد هيئة التمريض ليصل إلى 20,8 ممرض/ممرضة لكل 10 آلاف نسمة.
  • إنشاء وحدات الرعاية الصحية الأولية لتغطية سكانية من 3000 إلى 5000 نسمة لكل وحدة صحية.
  • زيادة نسبة التغطية السكانية بخدمات الرعاية العلاجية.
  • تخصيص إنفاق حكومي لا يقل عن نسبة 3% من الناتج القومي الإجمالي لخدمات الصحة.
  • إقامة نظام تأمين صحى شامل لجميع المصريين يغطي كافة الأمراض.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.