مثل البالون الذي يطفو فوق الماء ولا تغوص أبدا، طفت قضية النقاب مرة أخرى بعد كلمات نارية من مبروك عطية، عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بجامعة الأزهر، وواحد من دعاة الفضائيات المشهورين، ليشتعل الحوار والنقاش من جديد.

تستطيع أن تحصر بكل سهولة أبرز القضايا المجتمعية في مصر، التي يكثر اللغط حولها في السنوات الأخيرة، ويبرز الخلاف والجدل فيها، بل والصراع أحيانا كل فترة، والغريب أنها لا تنطفئ، بل تخمد ثم تعاود الاشتعال، وكأن هناك من يستدعيها.

النقاب أبرز هذه القضايا، وأكثرها جدلا في مصر طوال عقود ماضية، يخرج كل فترة من يعلن الحرب عليه ويسخر منه، أو ينتقده، ويهاجمه، ويحذر من انتشاره وخطورته، فينبري له من يدافع ويرد، ويبين ضرورته، وحاجة المجتمع له، وهكذا في صراع لا ينتهي، ومواجهات تنقضي من غير فائز ولا مهزوم.

والمقصود بالنقاب هو تغطية المرأة لوجهها، وعدم كشفه أمام غير محارمها، وهي مسألة خلافية بين الفقهاء قديما وحديثا، وخلافهم راجع للاختلاف في تحديد عورة المرأة، وإذا كان الوجه والكفين للمرأة ليسا بعورة فلا يجب تغطيتهما، أم إن كان جميع جسدها عورة فيجب عليها النقاب.

مبروك عطية

تفجّرت القضية من جديد، وهذه المرة بعد حوار تليفزيوني مع مبروك عطية، الذي تطرق لقضية النقاب وسخر من المنتقبات، وقال في حواره: “المرأة المنقبة رجل، وليس بها رائحة الأنوثة، أنا بحزن كلما أرى سيدة ترتدي النقاب” مشددا على أن الأزهر لا يدعو إلى ارتدائه.

وتابع: “الإسلام ليس فيه كلمة اسمها نقاب، أنا الوحيد الذي يقول لأي موظفة في الأزهر ترتدي النقاب، لو عندك دين اتركي الأزهر، وامشي واتنقبي بره” مشيرا إلى أن جامعة الأزهر لا تمنع النقاب.

أعقب الحوار عاصفة من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، وحالة من الجدل المتجدد حول الموضوع كل فترة، جاءت أغلب التعليقات مهاجمة لمبروك، ومنتقدة له على سخريته من المنقبات.

وتحدّث المعلّقون عن وجود النقاب في الإسلام، وخلاف الفقهاء حوله، وأشاروا إلى المفارقة في حديثه بجلوسه أمام مذيعة متبرجة، وهجومه على النقاب من برنامجها، وسبق أن أصدر الأزهر والإفتاء حكما أن النقاب مباح، ولكنه ليس واجبا.

رد السلفية

كما أصدرت حركة سلفية بيانا صحفيا للرد على هجوم مبروك، قالت فيه: “النقاب هو السلوك الحضاري، الذي يعبّر عن أناقة فتيات أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف للسيد الدكتور مبروك عطية ألا يرصد هذه العفة من مكنونها المادي، الذي يتمثل في الحجاب الشرعي، وتخمير الوجه بأداة حديثة من الفاشون، التي توصل إليها الأسلوب الحديث في عالمنا لستر الإنسان عموما، والمرأة بشكل خاص”.

كما نشر عبد الله رشدي، إمام مسجد السيدة نفيسة سابقا، ردا عبر صفحته في الفيس بوك قال فيه: “وجوب النقاب مذهب جماعة من أهل العلم، والستر لكامل الجسد هو فرض زوجات النبي، فمن عاب على من تشبّهت بأُمهات المؤمنين فقد زلّ، ومن عاب على مَن قلّدت القائلين بوجوب النقاب فقد تحجر واسعا، وقد كان حريّا بنا تحذير الناس من التبرج بدلا من التوجه نحو ذم المنتقبات، ووصفهن بصفات لا تليق، واعلموا أن كلا الرأيين قد درسناه في الأزهر، والجمهور على عدم وجوبه، لكن من أخذت بالقول الآخر فهي على خير وفي سعة”.

تاريخ من الجدل

وفي السنوات الأخيرة ثارت قضية النقاب أكثر من مرة على فترات متفاوتة، ففي عام 2009 تفجرت القضية عندما أجبر شيخ الجامع الأزهر، محمد سيد طنطاوي، إحدى التلميذات على خلع النقاب، ودافعت المعلمة عن موقف التلميذة وحريتها في ارتداء النقاب، مما أغضب شيخ الأزهر على التلميذة والمعلمة قائلا لها: “أنا أعرف أكثر منك ومن اللي خلفوك”.

وأسفرت المعركة عن قرار المجلس الأعلى للأزهر في اجتماعه، بمنع الطالبات والمدرسات من ارتداء النقاب داخل الفصول الدراسية الخاصة بالبنات، التي يقوم بالتدريس فيها المدرسات من النساء فقط، سواء كان ذلك في المرحلة الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية، ومنعت أيضا الطالبات في الجامعات من ارتداء النقاب داخل لجان الامتحانات في عام 2010.

وعادت القضية تطفو على السطح مجددا في عام 2011، عندما نشر رجل الأعمال نجيب ساويرس عبر حسابه في تويتر صورة كرتونية ساخرة لميكي ماوس وميمي بلحية ونقاب، مما اعتبره البعض إساءة للإسلام، وسخرية من شعائره، ونتج عن ذلك حملة ضد ساويرس، اضطرته إلى الاعتذار عن الصورة الساخرة.

وفي العام الماضي 2017، تجدد الخلاف بعد دعوة الدكتور جابر نصار، رئيس جامعة القاهرة، إلى منع ارتداء النقاب داخل الجامعة من قِبل عضوات هيئة التدريس أثناء الشرح للطلاب، وعدم ارتدائه داخل مستشفيات الجامعة أثناء علاج المرضى من الدكاترة والممرضات، وقد أثار القرار عاصفة من الاستهجان، ودعاوى قضائية من عضوات هيئة التدريس المنتقبات ضد قرار رئيس الجامعة.

رأي الأزهر

وقد نشر الموقع الرسمي لمرصد الأزهر الشريف موضوعا حول النقاب، أكد فيه أن الأزهر الشريف في موضوع النقاب لم يصدر عنه أمر به، أو نهي عنه؛ لأنه من المسائل القابلة للاجتهاد في الأخذ به، أو عدمه، فمن رأت من النساء مصلحة دينية لها فيه، فهي وما أرادت بشرط أن لا تلزم غيرها به، وأن تكشف الوجه عند اقتضاء المصلحة، وعندئذ من حقها أن لا تضطهد أو يلمز بها بسببه.

واستعرض تقرير المرصد الآراء الفقهية في النقاب، وبعد التحليل الفقهي والغوص في الأدلة وتعدد الرؤى في النقاب، رأت لجنة الفتوى الرئيسية بالجامع الأزهر الشريف، أن النقاب ليس عادة، وإنما هو يقع في دائرة المباح، وقد يرقى إلى ما فوق ذلك لمن ترى من النساء فيه مصلحة دينية لها، كسد لذريعة، أو درء لفتنة.

عبد الرحيم التهامي

شاهد المزيد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.