بـ47 محطة تحلية.. هل تقضي مصر على الفقر المائي؟

بـ47 محطة تحلية.. هل تقضي مصر على الفقر المائي؟
تحلية مياه البحر والفقر المائي

“الزعلان يشرب من البحر” مثل دارج يتناقله المصريون، لكن يبدو أن الحكومة ستحوّله إلى “العطشان يشرب من البحر” لتفادي أزمة الفقر المائي من ناحية، بسبب انخفاض منسوب نهر النيل على خلفية بناء سد النهضة في إثيوبيا، إلى جانب مواجهة ارتفاع تكاليف نقل المياه العذبة إلى بعض المحافظات الحدودية والبعيدة.

وبحساب نصيب الفرد من المياه في مصر خلال عقود، يتّضح أن مصر دخلت بالفعل في خط الفقر المائي، ففي عام 1959 كان نصيب الفرد 2000 متر مكعب سنويّا، وفي 1985 كان نصيب الفرد 1138 مترا مكعّبا، وفي عام 2007 كان نصيب الفرد 759 مترا مكعّبا، وفي عام 2018 انخفض نصيب الفرد إلى 555 مترا مكعّبا سنويا، وهو ما يؤكّد أننا دخلنا بعمق في مرحلة الفقر المائي.

وتستهدف الحكومة مضاعفة أعداد محطات التحلية قبل نهاية 2020، لإنتاج مليون متر مكعب يوميّا، من أجل مواجهة العجز المائي للمحافظات البعيدة، وبخاصة التي تطل على البحرين الأبيض، والمتوسط، والمحافظات القريبة منهما، عن طريق زيادة إنتاج مصر من المياه التي يتم تحليتها، إذ يتم حاليا إنشاء 19 محطة.

47 محطة تحلية

وتمتلك مصر حاليا 47 محطة تحلية، أغلبها في محافظات: مرسى مطروح، والبحرالأحمر، وشمال سيناء، وجنوب سيناء، تنتج ما يقرب من 254 ألف متر مكعب يوميا، ويتم تنفيذ محطتين في محافظة مرسى مطروح، ومحطة في بورسعيد لتحلية مياه البحرالمتوسط، بالإضافة إلى خمس محطات جديدة في محافظة جنوب سيناء، وثلاث محطات بمحافظة شمال سيناء، لتحلية مياه البحر الأحمر، طبقا لتصريحات مسئولي وزارة الإسكان.

وتتم عملية تحليّة مياه البحر على ثلاث مراحل، إذ تبدأ المرحلة الأولى بالمأخذ البحري لنقل مياه البحر عبر أنفاق تحت الأرض، إذ تصل المياه إلى وحدة التحلية بالمرحلة الثانية، ويتم التخلّص من جزيئات المياه المالحة بإلقائها في البحر، وتعتمد التقنيات الحديثة على عملية التناضح العكسى “RO”، لفلترة المياه عبر مراحل تشغيلها عن طريق نظام المعالجة النهائية “فلاتر الكالسيت” وحقن ثاني أكسيد الكربون لمعالجة المياه، ثم المرحلة الثالثة بعزل المياه العذبة.

ارتفاع التكلفة

وحذّر خبراء في مجال المياه والري من تكلفة توفير المياه بتحلية مياه البحر، بسبب الأزمة الاقتصادية، واعتماد مصر على الديون الداخلية والخارجية.

وافتتح الرئيس عبدالفتاح السيسي، قبل أشهر قليلة محطة “اليسر” لتحلية مياه البحر بمدينة الغردقة، وتكلّف إنشاؤها ٨٢٥ مليون جنيه، بالإضافة إلى ٢٠٠ مليون جنيه أخرى مصاريف تشغيل وتوسعات فيها، بطاقة إنتاجية ٨٠ ألف متر مكعب يوميا، لتكون أكبر محطة تحلية في إفريقيا.

 وكشف نادر نورالدين، أستاذ الموارد المائية بكلية الزراعة جامعة القاهرة، عن أن تكلفة تحلية المتر المكعّب الواحد لن تقل عن 10 جنيهات، و10 جنيهات أخرى تكلفة التوصيل وتركيب المواسير لمسافة أكثر من 60 كيلومترا، بخلاف إنشاء محطات التحلية، إذن التكلفة ستزيد على 20 جنيها للمتر الواحد.

وقال نورالدين في تصريحات له: “إن هذا ليس كل شيء، ولكن يشترط أن يكون للدولة مصدر رخيص للطاقة الكهربائية، إذ يستهلك تحلية متر مكعب واحد 2.5 كيلووات في الساعة من الكهرباء، بخلاف أن تكلفة دفن النفايات الناتجة عن التحلية مرتفعة جدا”.

خسائر في الدلتا

وكشفت دراسة أعدّها الدكتور أسامة سلام، الأستاذ المساعد بالمركز القومي لبحوث المياه بوزارة الموارد المائية والري، عن تعرُّض الأراضي الزراعية لخسائر في دلتا النيل، بسبب انخفاض التدفّقات المائية، نتيجة التخزين المتوقّع لسد النهضة الإثيوبي للمياه بنسبة تصل إلى 38.937٪، وذلك وفقا للسيناريوهات المحتملة لنقص مياه النيل.

وتوقّعت الدراسة أن يتم تعويض المياه باستخدام آبار المياه الجوفية، التي تُستخدم حاليا عندما يكون هناك نقص في المياه السطحية، إذ ستتراوح كمية المياه الجوفية المطلوبة من 2.85 إلى 15.65 مليار متر مكعب سنويا.

في سيناريو الحالة الأسوأ تعد دلتا نهر النيل المتضرر الرئيسي من نقص المياه، ويشعر المزارعون فيها بالخوف الدائم، فالزراعة بها تتضرّر ببطء حتى قبل أن تظهر تأثيرات سد النهضة، فأصبح نهر النيل بالكاد قادرا على توفير احتياجات السكان من الماء.

وقالت الدراسة: إن مصر تقع في الحزام القاحل لشمال إفريقيا، ومناخها شبه جاف إلى جاف، وبسبب النمو السكاني من 59 مليونا في عام 2000 إلى أكثر من 94 مليونا في عام 2017.

وكذلك التوسّع الزراعي الأفقي، وارتفاع مستوى معيشة الأفراد، ازداد الطلب على المياه العذبة، لتلبية احتياجات الأنشطة الزراعية والصناعية والتعدينية، ما تسبّب في انخفاض مستمر في نصيب الفرد من موارد المياه المتجدّدة، حتى وصلت في عام 2017 إلى 630 مترا مكعب للفرد، لذلك أُدرجت مصر في قائمة من 10 دول مهدَّدة بنقص حاد في المياه بحلول 2025.

يأتي ذلك بينما يتواصل بناء سد النهضة، كما أن جولات المفاوضات الثلاثية بين حكومات القاهرة والخرطوم وأديس أبابا لم تتوقّف، وكذلك الدراسات والأبحاث الدولية والإقليمية، فالسد هو الأكبر في إفريقيا والعاشر عالميا، وتكلفته تبلغ 6 مليارات دولار، والأعمال فيه تخطّت الـ60%.

رقية كمال

شاهد المزيد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.