سفر الآثار المصرية.. رحلة الذهاب بلا عودة

سفر الآثار
People watch as a fire burns at the National Museum of Brazil in Rio de Janeiro, Brazil September 2, 2018. REUTERS/Ricardo Moraes

أعاد حريق متحف ريو دي جانيرو البرازيلي التساؤلات حول إيجابيات وأضرار سفر الآثار المصرية للخارج، وهو جدل لم يحسم، فما بين ترحيب المسؤولين والتأكيد على ضرورته وأهميته لتنشيط السياحة في مصر، وتأكيد الخبراء والمثقفين مخاوفهم، وأن الضرر الناتج أكبر من الإيجابيات.

ويأتي احتراق 700 قطعة أثرية مصرية في المتحف البرازيلي ليشير لوجاهة الاعتراض القائل، بأن المخاطرة أكبر من أن نضع التاريخ المصري في قلبها، وتدعو المسؤولين لإعادة النظر لمخاطر عرض الآثار المصرية خارج مصر.

جولات عالمية

تحمل الآثار المصرية تاريخا كبيرا في السفر لمعارض خارجية، وهذا الأمر ليس جديدا، ففي عام 1961 سافرت مقتنيات توت عنخ أمون للمشاركة في سلسلة معارض استمرت حتى 1967، وكانت بعنوان “كنوز توت”، وشملت الجولة وقتها 34 قطعة ذهبية، سافرت لمتاحف فيلادلفيا، وكونتيكت، وتكساس، ونبراسكا، وإلينوي، وواشنطن، وكاليفورنيا، وميريلاند، وأوهايو، وغيرها.

وفي عام 1966، واصلت آثار توت عنخ أمون رحلتها، وسافرت لمتحف طوكيو الوطني، ومتحف كيوتو، والمركز الثقافي في فوكوكا.

وفي عام 1967، شاركت 45 قطعة من الآثار المصرية في معرض فرنسي، واستمرت الجولات حتى عام 1981 بين دول مختلفة، أبرزها بريطانيا، ثم أمريكا.

وفي عام 2005 وحتى 2011 خرجت الآثار المصرية في جولة بعنوان “توت عنخ أمون والعصر الذهبي للفراعنة”، تشمل عدة متاحف أمريكية، ومتحف تورنتو بكندا.

وفي 2015، خرجت 293 قطعة أثرية تحكي أساطير الإله أوزوريس، وآثار مصر الغارقة التي عثر عليها بمدينتي أبو قير، وميناء الإسكندرية الشرقي، لتشارك في معرض “أسرار مصر الغارقة” الذي مرّ بباريس، ثم انتقل للندن، ومنها لمدينة زيورخ السويسرية.

وعلى الرغم من أن سويسرا كان من المفترض أن تكون آخر محطات المعرض، إلا أنه سيجري مد مدته لستة أشهر أخرى، استجابة لطلب متحف سانت لويس.

وفي أبريل عام 2017، شاركت مصر بـ120 ألف قطعة أثرية، جرى اختيارهم بعناية من المتحف المصري بالتحرير، لتسلّط الضوء على عصر الدولة القديمة المعروف بعصر بناة الأهرام، بالإضافة إلى أهم القطع الأثرية من العصور الفرعونية المختلفة في معرض عصر بناة الأهرام بمدينة شيزوكا اليابانية، الذي سيستمر عمله لعامين، تتنقل خلالهم القطع الأثرية في عدة مدن يابانية.

القانون وسفر الآثار

استطاعت الكاتبة الراحلة الدكتورة نعمات فؤاد الحصول على حكم من محاكم مجلس الدولة، بعودة 72 قطعة أثرية من اليابان.

وفي عام 2012، أصدرت نفس المحاكم حكما نهائيا بعودة 143 قطعة أخرى من آثار الملكة كليوباترا من الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار مواجهتها هي وعدد من الأثريين والمثقفين للسماح بسفر الآثار المصرية.

وفي يونيو عام 2017، أيّدت هيئة المفوضين بمجلس الدولة عرض الآثار المصرية بالخارج، متى توافرت الشروط المقرّرة لذلك، ردّا على دعوى أقامها المحامي سمير صبري ضد السماح بسفر تمثال العجل أبيس والإله سيرابيس، ضمن معروضات أسرار مصر الغارقة في أوروبا.

واشترطت هيئة المفوضين لعرض بعض الآثار في البلاد الخارجية تحقيق المصلحة العامة، وأن يصدر بذلك قرار من رئيس الجمهورية، وأن يكون العرض لمدة محدّدة، إلا تكون الآثار المراد عرضها من الآثار الفريدة أو التي يخشى عليها التلف.

بين الرفض والإيجاب

تواجه تلك القضية تباينا كبيرا بين الأثريين والمثقفين، ففي حين يعلن المسؤولون في وزارة الآثار أن سفر الآثار للخارج يأتي في صالح السياحة، وزيادة الدخل لوزارة الآثار، التي تعاني منذ الثورة من مشكلات مادية كبيرة، يرى المعترضون أن العائد المادي لا يتناسب مع المخاطرة على الإطلاق، وأن عامل الجذب لا يحتاج للمجازفة بتاريخ مصر، بينما يوجد بدائل كثيرة.

ويرى الدكتور زاهي حواس، وزير الآثار الأسبق، أنّ سفر الآثار للخارج يمثّل دعاية غير عادية للسياحة، ويحقّق دخلا من 2 لـ10 مليون دولار، متهما رافضي سفر الآثار بعدم الفهم.

وتابع في مداخلة مع برنامج الطريق إلى الاتحادية، في فبراير الماضي: “البلد بتستفيد، والأثريين بيسافروا ويستفيدوا، والكل بيستفيد، سفر آثارنا للخارج يُمثل قوة ثقافية لمصر”.

وعلى الجانب الآخر، نشر الكاتب فاروق جويدة مقالا في فبراير الماضي، يتحدّث فيه عن سفر الآثار على خلفية رفض المثقفين لمعرض الآثار الغارقة، والذي سافرت خلاله قطع نادرة، مثل: توت عنخ آمون، مؤكدا أن تلك القضية بأكملها تحتاج لإعادة نظر.

وأشار جويدة – في مقالته المنشورة بجريدة الأهرام بعنوان “الآثار.. القضية الشائكة” – إلى أن المعارض الأخيرة التي نُفِّذت تعني خروج الآثار المصرية لعدة سنوات، ولحساب شركات خاصة، وليست حكومية ولا رسمية.

مضيفًا: إن العائد ضئيل، ويوجد تخوّف من تقليد القطع الآثرية، التي لا تقدّر بالمال، بالإضافة لمخاطر النقل، والتغليف، والحماية، وأن السفر ينبغي ألا يصل إلى القطع الفريدة، مثل: توت عنخ أمون.

حريق البرازيل

أثار حريق البرازيل ردود أفعال أعضاء البرلمان اليوم، خاصة أنها تضم قطعا نادرة، ولم يتضح حتى الآن كيف وصلت للمتحف، هل بشكل رسمي أم بشكل غير رسمي؟

وعلّق يوسف القعيد، عضو لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب قائلا: “إن الآثار المصرية تحتاج لتنظيم في عرضها، وترتيب أولوية المعروضات في الداخل والخارج”.

وأضاف في تصريح صحفي له اليوم الثلاثاء: “أخشى أن نجد الجيل القادم يطالبنا بفك الأهرامات وعرضها في الخارج على أن تعود لمصر بعد ذلك”.

وطالب بأن يكون هناك تأمين مالي ضخم على أي قطعة أثرية تسافر للخارج، وأن يصدر قرار السفر من رئيس الدولة أو رئيس الحكومة.

وتساءل النائب طارق رضوان رئيس لجنة الشؤون الخارجية، عن كيفية سفر تلك الآثار، مؤكدا أن الأهم من الحفاظ على آثارنا في الخارج هو الحفاظ عليها في الداخل، مطالبا بوجود معايير لحماية القطع الأثرية في الداخل قبل عرضها في الخارج.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.