تطوير عربات السكة الحديد.. ضرورة فعلية أم نزيف مادي

السكة الحديد

 الصفقة المَجرية

جاء إعلان السفير المجري بالقاهرة – أنه جرى الاتفاق على توريد 1300 عربة قطار في صفقة بقيمة مليار يورو أول أمس – استكمالا لسلسلة صفقات وتطوير أعلنت عنها هيئة السكة الحديد خلال السنوات الماضية.

حيث سبق الصفقة المَجرية صفقة جرارات أمريكية ممتلئة بالأزمات، ويشوب مصيرها الغموض، وثلاث صفقات لتطوير عربات القطارات، الصفقة الأبرز فيها مليئة بالأزمات أيضا، إذ خرجت 190 عربة منها من الخدمة من أصل 212 عربة خلال أشهر قليلة من استلامها.

ولا تقتصر الأزمة على تكرار الصفقات والنزيف الحادث بسببها، بل يأتي ضمن الأزمة أيضا نقص تطوير المنظومة التي تعمل بها القطارات، مما تسبّب في خسائر كبيرة للسكة الحديد، لكونها لم تحدث منذ إنشائها تقريبا قبل أكثر من قرن، بالإضافة إلى مشكلات تهدّد حياة ركاب القطارات من مزلقانات، وقضبان، وإشارات كهربائية، وتدنّي أوضاع العاملين المالية، واعتمادها على العنصر البشري الكثير الخطأ.

أزمات “سيماف”

سبق صفقة العربات المجرية اتفاق هيئة السكة الحديد مع الهيئة العربية للتصنيع، وذلك عام 2012 على اتفاقية لتصنيع 212 عربة قطار مكيفة، و5 عربات VIP، و69 عربة درجة أولى، و115 عربة درجة ثانية، و23 عربة بوفية، بقيمة إجمالية تبلغ 2.1 مليار، على أن يجري تسليم العربات خلال 30 شهر.

وتعدّ أولى العقبات التي واجهت الصفقة هي تأخّر تسليم العربات، إذ لم تقم “سيماف” التابعة للهيئة العربية للتصنيع بتسليم أي من العربات لمدة تزيد على ثلاث سنوات، رغم استلامها لكافة المبالغ المتفق عليها كمقدم، وذلك بعد اتفاق الهيئة مع أحد المصانع الإيطالية لمشاركته التصنيع، وانتهى الأمر إلى فسخ التعاقد دون إنتاج أيّة عربة، وجرى تعديل الاتفاق عام 2014.

وعلى الرغم من تعديل الاتفاق ظلّت الأزمة مستمرّة وسط تبادل الاتهامات بين الهيئة العربية والسكة الحديد، وانتهت الأزمة بتسليم آخر دفعة من العربات في أغسطس عام 2016.

“سيماف” تورد عربات جديدة

على الرغم من عدم انتهاء الأزمات إلا أن هيئة السكة الحديد قامت مرة أخرى في نوفمبر 2017 بالإعلان عن انتهائها من الاتفاق مع “سيماف” على تصنيع وتوريد 300 عربة جديدة لصالح الهيئة بقيمة 1.2 مليار جنيه.

وفي يوليو الماضي جرى توقيع عقد تصنيع وتوريد 140 عربة سكة حديد لنقل البضائع، بإجمالي تكلفة 544 مليون جنيه، بين كل من وزارة النقل ممثّلة في هيئة السكك الحديدية، والهيئة العربية للتصنيع ممثلة في مصنع سيماف، بحضور هشام عرفات، وزير النقل، والفريق عبدالعزيز سيف الدين، رئيس الهيئة العربية للتصنيع.

صفقة مليونية غامضة

انضمّت شركة جنرال إلكتريك الأمريكية إلى الشركات التي قامت هيئة السكة الحديد بتوقيع صفقات معها بخصوص تطوير عربات القطارات، ولكن هذه المرة الصفقة لم تكن بخصوص عربات النقل، وإنما جرارات البضائع.

إذ تعاقدت هيئة السكة الحديد في فبراير الماضي مع جنرال إلكتريك لتوريد 100 جرار جديد، وصيانة 81 جرارا قديما بهم مشكلات فنية، أنتجتهم نفس الشركة في صفقة تبلغ قيمتها 575 مليون دولار نهاية 2017.

وجاء التعاقد في وقت تعاني فيه شركة جنرال إلكتريك من مشكلات اقتصادية جمّة وصلت لنشر وكالة بلومبيرج الإخبارية الأمريكية حينها أن مجموعة جنرال إلكتريك تنوي تفكيك عدد من الشركات التابعة لها بعد تراجع أسهمها في البورصة بنحو 46% وتكبّدها خسائر قيمتها 10 مليارات دولار خلال الربع الأخير من 2017.

ويضاف إلى خسائر الشركة المعلنة وقت التعاقد أن الشركة هي نفسها المسؤولة عن توريد 100 جرار عام 2009 في صفقة يشوبها الفساد، حيث ظهر بعد ذلك أن أغلبهم به مشكلات فنية، ورفضت الشركة التكفّل بإصلاحهم وفق شروط التعاقد، وجرى تخزينهم حينها وحتى الصفقة الأخيرة.

وعقب توقيع الصفقة مع جنرال إلكتريك أعلنت الشركة الأمريكية بيعها لشركة النقل التابعة لها، إذ نقل تقرير صحفي تصريح للمدير التنفيذي لجنرال إلكتريك “جون فلانري” أشار فيه لعرض شركة النقل للبيع، موضحا أن جنرال تعتزم بيع أصول بنحو 20 مليار دولار خلال عامين بهدف وقف نزيف خسائرها التي تخطّت 10 مليار دولار.

وفي الوقت نفسه الذي أعلنت فيه الشركة بيع أصولها طالبت الشركة الأمريكية من هيئة السكة الحديد بتعديل عملة التعاقد من الدولار إلى اليورو، مما سبّب مشكلة أكبر لدى هيئة السكة الحديد لفرق العملة، وأبدوا رفضهم للطلب لعدم وجود مبرر له.

ويشوب الغموض مصير صفقة الجرارات الأمريكية بعد الإعلان عن البيع، ومحاولات تعديل شروط التعاقد، إلا أن الأكيد من تلك الصفقة أن مصر سدّدت 55 مليون دولار بما يمثّل 15 % من حجم التعاقد مع جنرال إلكتريك الذي يقدّر بنحو 571 مليون دولار.

 تساؤلات مشروعة

في مقابل المليارات التي صُرِفَت على تجديد عربات السكة الحديد في أقل من ثلاثة أعوام، تعاني منظومة السكة الحديد من مشكلات أخرى، أبرزها تعطّل أجهزة التتبع، وعدم تفعيل أنظمة الأمان، وقدّم أجهزة الإشارة والسيمافورات، وحاجة القضبان للصيانة، والفجوة الكبيرة بين أجور القيادات والعاملين بالهيئة، والخسائر التي تخطّت الـ6 مليار جنيه، لتهرب نحو 50 مليون مواطن سنويّا من دفع الأجرة.

مما يعيد التساؤل عن جدوى الإصلاحات التي تركّز على عربات القطار، ولا تشمل المنظومة بأكملها، وكيف ستجري في ظل صفقات يشوبها الغموض والأزمات .

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.