“مريلة وشيكولاتة”.. لصوص لكن مساكين

"مريلة وشيكولاتة".. لصوص لكن مساكين
لصوص لكن مساكين

“لصوص لكن مساكين” مقولة تنطبق على أشخاص ورّطتهم الظروف في سرقة أشياء بسيطة، كالذي سرق زيّا مدرسيّا لابنته، لأنه لا يستطيع أن يدفع ثمنه، وآخر سرق قطعة شيكولاته لابنه الذي اشتهاها، أو عجوز سرق علبة جبنة بثلاثة جنيهات لسدّ جوعه.

ورغم أن الفعل مرفوض، ولا يجيزه شرع أو قانون، فإنه مع ارتفاع معدّلات الفقر لأرقام غير مسبوقة بسبب الغلاء وانخفاض معدلات الدخول، طفت على السطح مثل هذه الجرائم التي تبدو إنسانية، وتعاطف معها الكثيرون.

وكشف الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن 28% من السكان في مصر فقراء، ولا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية من الغذاء وغير الغذاء، وأن 57% من سكان ريف الوجه القبلي فقراء مقابل 19.7% من ريف الوجه البحرى.

نفسي أفرّح بنتي

“كان نفسي أفرح بنتي، وهي رايحة المدرسة” كلمات خرجت من فم مواطن، غلبه العجز على شراء زي المدرسة لطفلته، التي تتجهّز لدخول المدرسة، فذهب إلى معرض المستلزمات الدراسية في ميدان الساعة وسط دمياط، وأخفى زيّا جديدا داخل كيس أسود، وتسلّل خارجا، لكن كاميرات المراقبة لم تتستّر عليه.

تجمّع الباعة والأهالي حول الرجل، ومعه زوجته، وأمسكوا بهما أمام المارة، ولم يتمالك الرجل حتى سقط منهارا أمام إصرار العاملين وبعض المارة على إبلاغ الشرطة، ولم تفلح دموعه وزوجته في إقناعهم بالعدول عن الإبلاغ.

حضرت الشرطة، واصطحب الزوجين إلى قسم أول دمياط، ووقف الرجل أمام رئيس المباحث يشرح له عدم قدرته على شراء زي جديد لابنته، وقال: “كان نفسي أفرّح بنتي وهي رايحة المدرسة أول يوم وسط زمايلها» وتساءل: “هي بنتي ملهاش حق تفرح؟” ثم أجهش بالبكاء، فأخلي سبيله دون تحرير محضر.

وأثارت الواقعة عاصفة من الجدل في الشارع الدمياطي، انتقلت بطبيعة الحال إلى مواقع التواصل الاجتماعي، واختلفت مواقف الرواد بين متعاطف يحاول تبرير سلوك الرجل، وآخر يرفض التستر على الجريمة دون حساب للظروف.

واقعة الشيكولاتة

حالة المواطن لم تكن الأولى من نوعها لأب يسرق من أجل أن يفرح أبناءه، ففي مارس 2017 ألقت أجهزة الأمن في الجيزة القبض على أب التقطته كاميرات سوبر ماركت أثناء سرقة قطعة “شيكولاتة” لإعطائها لطفلة، وبمواجهته أقرّ بسرقتها لإعطائها لنجله الذي طلبها منه، ولعدم قدرته على شرائها.

وقال المتهم أمام النيابة: إن الدافع وراع فعلته هو أن نجله الصغير شاهد أطفالا آخرين يتناولون الشيكولاتة، فطلب منه إحضار مثلها له، مضيفا: “الدنيا غليت وكل حاجة غليت”.

وأكد أنه نظرا لضيق اليد، قرّر سرقتها، فدخل إلى “سوبر ماركت” شهير، وأخذ قطعة شيكولاتة، فالتقطته كاميرات المحل، وتم ضبطه.

علبة جبنة

وتداول ناشطون ومواقع إلكترونية، في يوليو 2017 قصة رجل يبلغ من العمر 55 عاما من القاهرة، تعرّض إلى نفس الموقف، إذ تم توقيفه من قبل رجال الأمن بسوبر ماركت شهير، لسرقته “علبة جبن ثمن كيلو” ثمنها ثلاثة جنيهات، إذ قال بعد توقيفه: “سرقت أرخص حاجة علشان آكل”.

وقالت ناشرة القصة عبر صفحتها بموقع “فيسبوك”: “امبارح كنت بشتري حاجات للبيت، وبعد ما خلصت ورايحة أحاسب كان فيه راجل تقريبا 55 سنة، بيحاسب قبلي معاه كيس عيش بس، بعد ما حاسب أفراد الأمن اتلمّوا عليه وأخذوه معاهم، شدّني الموقف فسألت، قالولي ده سارق حاجه، والكاميرات صورته”.

وأضافت: “وبعد تفتيشه ملقوش معاه غير البطاقة، والعيش اللي حاسب عليه، وعلبة الجبنة، والراجل منهار وبيبكي، وقالوا: لازم الشرطة، وفعلا الشرطة جت، ضابط صغير وأمين شرطة، ولما عرفوا الموضوع سألوا الراجل: ليه عملت كده؟ أجاب الرجل: كنت جعان، وسرقت أرخص حاجه عشان آكل”.

وانتهت القصة بإخلاء سبيل الرجل الذي ترك ما أعطوه الناس إياه “من باب العطف” حتى كيس العيش الذي اشتراه من ماله.

معدلات الفقر

وبحسب تقرير للجهاز الجهاز المركزي للإحصاء، أظهر نسبة الفقر في مصر التي تخطّى عدد سكانها 100 مليون نسمة، بلغت 27.7% للفئة العمرية التي تفوق الـ15 عاما، و35.4% للفئة العمرية ما بين 15 و24 عاما، و24.3% للفئة العمرية التي تفوق الـ25 عاما.

واشار التقرير إلى أن نحو 28% من الشعب المصري لا يستطيع الوفاء باحتياجاته الأساسية من الغذاء وغير الغذاء، مؤكّدا أن أسعار اللحوم والدواجن والسلع الغذائية ارتفعت بشدة، ما أدّى إلى تراجع نصيب الفرد من الغذاء، إذ انخفض متوسط نصيب الفرد المصري من اللحوم الحمراء بنسبة 29.4% إلى 9.6 كجم في 2016، مقابل 13.6 كجم عام 2015.

معدلات الجريمة

وقال خبراء في علم الاجتماع وعلم النفس: “إن العامل الاقتصادي يُعد من أهم أسباب ارتفاع معدلات الجريمة في مصر، خصوصا أن ارتفاع الأسعار يأخذ منحى تصاعديّا حادا، تدفع بالشخص إلى الإقدام على الجريمة من دون إدراك لعواقبها”.

ورأى رشاد عبداللطيف، أستاذ علم الاجتماع في جامعة حلوان: “إن الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطن المصري تشكّل أحد أهم التحدّيات المعيشية التي يواجهها، وتنعكس على حياته”.

وأشار رشاد في تصريحات صحفيّة، إلى أنّ الارتفاع في الأسعار خلق عددا أكبر من الفقراء، وقلّل من نسبة الطبقة الوسطى، موضحا أن غالبية المجرمين ينتمون إلى الطبقات الفقيرة ومحدودي الدخل، لأن بلوغ المجرم درجة الاحتراف في القتل يكون بدافع كسب الرزق من وراء الجريمة.

وقال: “إن الإنسان إذا جاع، يلجأ إلى ارتكاب أفعال غير شرعية، فيقتل ويسرق، ويتاجر بعرضه” محذّرا من تنامي ظاهرة القتل خلال الأيام المقبلة في ظل تنامي البطالة، وقلة فرص العمل، وعدم القدرة على الزواج والسكن، وهذه عوامل اجتماعية خطيرة، يضاف إليها ارتفاع الأسعار.

رقية كمال

شاهد المزيد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.